وبعد هذا التاريخ الإعلامي /الوظيفي الطويل، وقد تقلب في محطات كثيرة ومختلفة على كثرتها، وعاصر تاريخ الإعلام السعودي المنشور والمرئي على تنوعه ثقافة وكتابة، استطاع أن يقفز كغيره أخيرا ويلفت أنظار المتلقي بعد «الثامنة»، البرنامج الشهير الذي جعل منه أيقونة للتنفيس عن نقد المواطن تجاه أداء موظفي الإدارات الحكومية. هنا عرفته العامة بعد أن عرفته النخبة المثقفة، وانبرى لخبرته الإعلامية بين محطة ومحطة وبرنامج وحوار، حتى استوى بزخم تجاربه إلى حلقات الصندوق الأسود مع الإعلامي الكويتي عمار تقي.
لا شك أن اللقاء – في نظري – نجح لأنه تجاسر إعلامي سعودي محسوب على الإعلام الرسمي أن يفضفض عن قضايا دقيقة، كقصة جهيمان في الحرم المكي، وحظر النفط على أمريكا أيام الملك فيصل - رحمه الله - وحرب الخليج، وقضايا الإرهاب، وتفاصيل دقيقة وقصص عن مشاكل الصحافة السعودية آنذاك.
وليس ذاك وحسب، فقد استراح الضيف وراح يدلي بسردياته براحة دون اعوجاج، كما يفعل غيره عند ولوج مناطق ملغومة، يتحاشاها غيره اتقاء رقيب ديني أو سياسي، فهو مطمئن، والدليل إطلالته المتكررة والتماس «الجريء» عن قضايا التوظيف والسعودة وهموم المواطن الطافحة في وسائل التواصل الاجتماعي. وإن كان المحاور يقطّع حبل الكلام باستفهامات قصيرة تفسد الوصل وتشويقه، وقد تستفز أعصاب الضيف الذي تحمّل طبعه الحار هذه المقاطعات التي ظلت دبوسا مزعجا في تفاصيل المحتوى وسياقه.
وعندما تخلى الشريان عن صورته في برامجه الأولى والتي برزت بالقالب الأحادي في شخصية متعجرفة طاغية ذات ضجيج وعصبية مرهقة للضيف، استطاع بهدوء عجيب، وصوته هامس طلق النبرات، ولهجة محلية محببة يندر استعمالها عبر الشاشة، حتى رأى المتابع السعودي - عبر اللقاء - صورته ولغته ولهجته عن قضايا تهمه.. قضايا وطنية حساسة طالما تساءل عنها، فوجد في هذا الرجل أداة تحاكي وتلامس تساؤلاته، بعد أن تخلى عن هذا الوضع مثقفون آخرون استلبهم الإعلام المجاور في إحساس بالقزامة تجاه ؟؟؟؟؟؟؟؟ريادت. بينما تردح الإكليشة اللبنانية والشامية والمصرية للأسف في قنواتنا السعودية دون محاولة للتغيير أو التوجيه أو الالتزام باللغة الأم، حتى اجتهد أفراد على استحياء في عرض منصاتهم الخاصة ونجحت إلى درجة الريادة لأنها ذات صبغة وطنية قلبا وقالبا، ولا أعني الثقافة الشعبية والقصص العامية، فذاك موضوع ومجال آخر له ساحته ومحبوه.
وبعد أن نجح الشريان في إطلالته الجديدة وحواراته الشاملة المختلفة، أعجبته الفكرة، ووجد أن الظهور الحي هو الحياة الإعلامية المرئية المؤثرة فورا، كما يقال «حار بحار»، ولم يعد يطيق الكتابة ولم تجد المقالات ذات التأثير البطيء، عدا التنويه في منصة X، والتعليق على حدث عابر. هنا أعلن بالأمس عن فكرة مدوية عبر حسابه عن بودكاست فخم، ورفع عقيرته بالنداء ودعا كل من يجد نفسه قادرا على العطاء بالمشاركة في الإنتاج والإعداد والنشر والتصميم والتنفيذ والشراكات والرعاية.. إلخ. وتعجبت من تعاقب المتابعين السريع وتأييدهم لهذه الخطوة الجريئة، الخاصة بهذا الإعلامي الذي لامس – قبل ذلك – هموم المواطن الحساسة، ومن أين؟ من بيته، من نقطة محايدة لا تنتمي لمؤسسة لها تبعاتها، وإنما بودكاست يعبر عن قضايا هذا وقتها لعلها تفجر مكبوت الشباب المتقيح من الانتظار للأفضل، فهل يستطيع؟ وهل ينجح؟ وهل يصمد بعد حصاد العمر، أو لعله يؤسس لمدرسة مهنية على يده بعد أن تجاوب معه حوالي أربعة آلاف شاب طموح للعمل معه؟
ننتظر ونرى..