في موكب مهيب يفيض بالوفاء والحزن والمشاعر الإنسانية العميقة، احتضنت أرض الدرعية التاريخية جثمان المصور العالمي البرازيلي «هومبرتو دا سيلفيرا». لم يكن المشهد مجرد تشييع عابر، بل كان تجسيداً لقصة حب ووفاء متبادل امتدت لأكثر من أربعين عاماً، بين رجل جاء من قارة بعيدة، وبين وطن أسر قلبه وروحه حتى أنفاسه الأخيرة.

تَقدّم جموع المصلين في مسجد العذيبة بالدرعية، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين ومؤسس ورئيس مؤسسة التراث غير الربحية. الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، بحضور رفاق درب الراحل والمسؤولين والمهتمين بالإرث الثقافي، إلى جانب سفير جمهورية البرازيل لدى المملكة، باولو أوشوا ريبيرو فيليو، الذي قدّم واجب العزاء في مواطنه الذي غدا ابناً باراً للصحراء السعودية.

أراد الله عز وجل أن يختم حياة هذا المبدع بأجمل البدايات وأطهر النهايات؛ فقد أكرمه الله باعتناق الإسلام منذ عام 2024. وفي لفتة تفيض بالزهد والخصوصية، لم يُعلن الراحل عن إسلامه، وظل هذا السر الإيماني مخبوءاً بينه وبين خالقه، ليفيض قلبه بالسكينة، ولم يُعلم بالأمر إلا بعد وفاته قبل أيام. وكأنما أراد لرحلته في أرض الحرمين الشريفين أن تكتمل في أبهى صورها؛ ليرحل مسلماً مطمئناً، غريباً في ولادته، قريباً ونسيباً في موته وعقيدته.


جاء هومبرتو إلى المملكة قبل أكثر من أربعة عقود، ولم تكن بالنسبة له مجرد محطة عمل، بل غدت موطناً ووجداناً. رفض العيش في أي مكان آخر في العالم، واختار أن تطأ أقدامه رمالها، وأن تتنفس رئتاه هواءها. جاب أرجاء المملكة الشاسعة بعدسته التي لم تكن مجرد أداة توثيق، بل كانت عيناً عاشقة تلتقط التفاصيل بكثير من الشغف والاهتمام.

وثّق الأرض في سكونها وثوراتها، ورصد الإنسان في كفاحه وبساطته، وتتبع ملامح العمارة الطينية والحجرية التي تروي قصص الأجداد. شهد بعينه التحولات التاريخية الكبرى للمملكة، مسهماً في حفظ جانب استثنائي ومهم من الذاكرة البصرية الوطنية.

يرحل هومبرتو دا سيلفيرا جسداً، لكنه يترك خلفه إرثاً توثيقياً ثرياً ونابضاً بالحياة. لقد عمل بشغف مع مؤسسة التراث غير الربحية على عدد من الكتب والمشروعات المصورة التي تناولت سير ملوك المملكة العظام؛ وفي مقدمتهم الملك المؤسس عبدالعزيز، والملك سعود، والملك فيصل ـ رحمهم الله جميعاً ـ.

ولم تقف ريادته عند هذا الحد، بل خلدت أعماله البارزة مثل «نجد» و «بدو» و «هجر» تفاصيل الحياة اليومية، والعمق الثقافي للمجتمع السعودي، بالتعاون مع مشروعات أخرى رائدها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة. إن هذه المؤلفات ليست مجرد صور، بل هي وثائق حية تحفظ للأجيال القادمة ملامح الماضي وتطور الحاضر.

اختار هومبرتو المملكة موطناً له في حياته، وشاءت الأقدار أن يدفن في ثراها الطاهر الذي أحبه وصانه. غاب المصور، وتوقفت النبضات، لكن أعماله ستبقى شاهداً حياً على أربعة عقود من الوفاء الصادق للمكان والإنسان، وذاكرة عصية على النسيان تحفظ تاريخ المملكة بعيون عالمية وقلب محب. رحم الله الراحل وغفر له وأسكنه فسيح جناته.