تقاعدت قبل أقل من سنة من عملي في التعليم تقاعداً يعتبر في النظام مبكراً، فقد بقي لي عن التقاعد النظامي حوالي السنتين ونصف السنة، ولكنني آثرت التقاعد المبكر وترجلت عن صهوة التعليم.

الكثير من الأحباب والأصدقاء وغيرهم سألوني السؤال المعروف المتكرر على كل من حزم حقائبه وغادر عمله دون رجعه.

وهو: كيف التقاعد معك أو كيفك مع التقاعد؟


وباختصار شديد أقول دون تردد: التقاعد نعمة عظيمة يجب أن نحمد الله ونشكره عليها، والسبب ببساطة شديدة، تخيّل عزيزي الموظف أنه لا يوجد شيء في الحياة اسمه تقاعد، بمعنى آخر: تخيّل أنه يجب عليك أن تعمل طوال عمرك إلى أن تموت لتحصل على الراتب، وإذا توقفت عن العمل لأي سبب فإن راتبك يتوقف تلقائياً، وهنا نسأل: كيف ستعيش وتصرف على أسرتك وحياتك حتى مماتك؟ وبالتالي فإن مرحلة التقاعد يعقبها مرحلة استلام الراتب بلا عمل حتى وإن كان الراتب أقل من ذي قبل، وهذه النعمة العظيمة التي أقصدها مع نعمة الصحة والعافية والستر وهي حصولك على راتب شهري وأنت في بيتك دون عمل، بل وبعد مماتك يستمر الراتب لأسرتك من بعدك.

فليس كل الناس لديهم دخل آخر أو يمكنهم العيش دون راتب التقاعد عن العمل.

أكرر ومن وجهة نظري الخاصة بأن التقاعد نعمة عظيمة يجب شكرها واستقبال هذه النعمة استقبالاً يليق بها، بمعنى ألا نتقاعد إلا في الوقت المناسب وأن نكون قد رتبّنا أمورنا المادية والنفسية والأسرية قبل قرار التقاعد حتى لا ندخل في غياهب الجُب وسكك التايهين.

الجدير بالذكر أن أول من وضع نظاماً للتقاعد وصرف رواتب للمسنين وكبار السن في التاريخ الإسلامي هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد رأى شيخاً كبيراً من أهل الذمة (يهودياً) يسأل الناس، فقال له: «ما أنصفناك، أخذنا منك الجزية شاباً ثم ضيعناك شيخاً»، فأمر له ولأمثاله براتب مستمر من بيت المال.

ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن " أوتو فون بسمارك" المستشار الألماني أدخل أول برنامج تأمين اجتماعي وراتب تقاعدي إجباري لكبار السن في عام 1889م، لتصبح ألمانيا أول دولة تقر نظام التقاعد الحديث.

أخيراً وليس آخراً: حفظ الله بلادنا وقادتنا والحمد لله على نعمة التقاعد.