من أعمق المعاني التي رسختها رؤية المملكة 2030 في عمل مؤسسات الدولة أن قيمة المنجز لا تكمن في حدوثه فحسب، بل في استدامته وعظيم أثره؛ فلم تعد وفرة الموارد دليلًا كافيًا على الكفاءة، ولا اكتمال الإجراء نهاية للحكم على جودة القرار، وإنما أصبح الأثر هو المساحة التي تلتقي فيها قيمة المال بكفاءة الإدارة وجدوى الاستثمار. وفي المشروع الوطني الكبير الذي يقوده سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- تتقدم تنمية القدرات البشرية بوصفها استثمارًا في الإنسان، ولذلك لم يعد السؤال الذي يلاحق المورد العام أين أُنفق فقط، وإنما ماذا صنع بعد أن أُنفق، وما القيمة التي عادت منه إلى الإنسان والوطن.

والجامعة من أكثر المؤسسات اتصالًا بجوهر هذا السؤال؛ فهي لا تدير مباني ومقررات ووظائف فحسب، بل تدير جزءًا من رأس المال البشري الذي تبني عليه المملكة قدرتها المستقبلية. فما يُستثمر في عضو هيئة التدريس، والمختبر، والمنهج، والتقنية، والبحث والتطوير والجودة، لا يبلغ غايته حين تكتمل هذه العناصر منفردة، وإنما حين تتآلف آثارها في طالب تغيّرت معرفته، ونمت مهاراته، واتسع أفقه، وفي خريج يجد سوق العمل فيه أثر السنوات والموارد التي استثمرها الوطن. ومن هذه الزاوية ينبغي أن يُقرأ الاعتماد الأكاديمي؛ فهو ليس شهادة تضاف إلى سجل البرنامج والجامعة، ولا مناسبة اتصالية تنتهي بنشر الخبر، وإنما إحدى أدوات الثقة العامة في التعليم، تساعد المؤسسة على معرفة أين تقف، وما الذي أحسنت بناءه، وما الذي لا يزال بحاجة إلى معالجة وتحسين، ثم تجعل الدورة التالية امتحانًا لما تعلمته من سابقتها.

وقد بلغ حضور الاعتماد في التعليم العالي السعودي مستوى يجعل سؤال الجودة اليوم أكبر من مجرد عدد البرامج المعتمدة؛ ففي عام 2025 وحده أصدرت هيئة تقويم التعليم والتدريب أكثر من 500 قرار اعتماد برامجي، وبلغت نسبة البرامج الأكاديمية المعتمدة وطنيًا 44%، فيما وصل عدد المؤسسات الأكاديمية الحكومية والأهلية المعتمدة إلى 51 مؤسسة تمثل 76% من مؤسسات التعليم العالي، كما شملت اختبارات الجاهزية أكثر من 40 ألف طالب وطالبة في أكثر من 570 برنامج بكالوريوس في 50 جامعة. والأهم من نمو هذه الأرقام هو ما تعكسه من تحول في ثقافة الجودة؛ إذ يتقدم التقويم والبيانات والتحسين المستمر بوصفها أدوات لصناعة القرار، فتغدو الجودة جزءًا من طريقة إدارة التعليم لا نتيجة تظهر في نهاية زيارة اعتماد.


ومع ما بلغته منظومة الاعتماد من حضور متقدم في التعليم العالي السعودي، لم تعد عبارة «برنامج معتمد» كافية وحدها لقراءة تجربة البرنامج؛ فهناك اعتماد كامل، وآخر مشروط، وبرامج تبدأ بالمشروط ثم تنتقل إلى الكامل بعد الاستجابة لملاحظات التقويم، في حين تبقى أخرى في المستوى نفسه عبر أكثر من دورة. ولذلك لا تكمن قيمة الاعتماد في حصول البرنامج عليه فحسب، بل في المسار الذي قطعه بعده، وما إذا كانت ملاحظات التقويم قد أصبحت معرفة مؤسسية انعكست على الممارسة والمخرجات. فالحالة التي انتهى إليها البرنامج مهمة، لكن الأهم ما تعلّمه في الطريق إليها.

ولا ينبغي أن يُقرأ الاعتماد المشروط بوصفه حكمًا نهائيًا على البرنامج؛ فقيمته قد تبدأ من اللحظة التي يضع فيها أمام المؤسسة ما لم يكن ظاهرًا لها بالوضوح نفسه من قبل. وحين تتحول هذه المعرفة إلى مراجعة حقيقية للممارسة، تصبح الدورة التالية امتحانًا حقيقيًا لما تعلّمته المؤسسة لا مجرد إعادة لما فعلته سابقًا. وفي هذا السياق تقدم جامعة الملك سعود مثالًا لافتًا؛ إذ انتقلت عدة برامج في كلية العلوم، من بينها الجيولوجيا والكيمياء الحيوية والأحياء الدقيقة وعلم النبات، من الاعتماد المشروط إلى الكامل. والدلالة الأهم ليست في انتقال وصف الاعتماد من مستوى إلى آخر، بل في أن الملاحظة الأولى تركت أثرًا مؤسسيًا أمكن أن تقرأه النتيجة التالية.

ويصبح «التحسين المستمر» في جوهره ذاكرة المؤسسة نفسها؛ ألا تعود في كل دورة إلى نقطة البداية، وألا تصبح الملاحظة القديمة ضيفًا دائمًا في تقاريرها، وأن تعرف لماذا ظهرت الفجوة، وما الذي أبقاها، وأي قرار يستطيع أن يعالج أصلها، ثم تملك بعد عام أو عامين ما يثبت أن ما تعلمته بالأمس قد غيّر بالفعل ما تفعله اليوم. وهذا هو الفارق الحقيقي بين مؤسسة تدير ملف الاعتماد ومؤسسة تدير الجودة؛ فالأولى قد تجيد إعداد الدراسة الذاتية، وترتيب الشواهد، والاستعداد للزيارة، أما الثانية فتبحث عما وراء الوثيقة: ما الذي أنشأ الملاحظة؟ وما الذي سيمنع عودتها؟ وكيف نعرف أن التغيير وصل إلى الطالب والمقرر والممارسة، لا أن الملف وحده أصبح أكثر ترتيبًا؟

والجامعات السعودية تعمل داخل منظومة وطنية واحدة للاعتماد والجودة، غير أن خبراتها المؤسسية في بلوغ هذه الغايات تتخذ صورًا متعددة؛ ففي جامعة تبوك ارتبط الاعتماد بتحديث الخطط والمناهج، ودعم أعضاء هيئة التدريس، وتحسين البيئة التعليمية، ورفع كفاءة المخرجات، حتى احتفت الجامعة في نهاية 2025 بتحقيق الاعتماد الكامل لجميع برامج البكالوريوس لديها آنذاك، التي تجاوز عددها الثلاثين. وفي جامعة القصيم امتدت خبرة الاعتماد عبر عشرات البرامج الوطنية والدولية حتى بلغ مجموع الاعتمادات البرامجية المعلنة 92 اعتمادًا، منها 70 وطنيًا و22 دوليًا، بما يجعل الجودة خبرة موزعة بين تخصصات ومراحل متعددة، لا شأنًا محصورًا في وحدة أو لجنة. أما جامعة الملك خالد فتضيف بعدًا آخر إلى الصورة؛ إذ تعرض نوع الاعتماد لكل برنامج بوضوح، ويأتي برنامج «اللغة والترجمة» ضمن برامج البكالوريوس ذات الاعتماد الكامل، إلى جوار برامج كاملة وأخرى مشروطة.

والقيمة الحقيقية لهذه التجارب ليست في أن نصنع منها ترتيبًا بين الجامعات، بل في أن نحولها إلى معرفة قابلة للانتقال؛ معرفة توضح ما الذي ميّز البرنامج الذي عبر من الاعتماد المشروط إلى الكامل، والطريقة التي استخدم بها بياناته، وربط بها نتائج القياس بالقرار، وحفظ بها خبرة الدورة السابقة حتى لا تبدأ الدورة التالية من النقطة نفسها. وحين يبلغ برنامج لغوي في جامعة سعودية الاعتماد الكامل، أو تنجح كلية في معالجة ملاحظاتها والانتقال ببرامجها من المشروط إلى الكامل، فإن النجاح لا ينبغي أن يبقى خبرًا محليًا ينتهي داخل المؤسسة، بل خبرة وطنية يمكن أن تختصر على برامج أخرى سنوات من العمل على ملاحظات المقيمين، ومعالجة الفجوات، والوصول إلى الاعتماد الكامل بوعي أكبر وجاهزية أعلى.

ويزداد وزن هذه التجارب حين نتذكر أن الجامعات السعودية تعمل اليوم داخل مشروع وطني منح التعليم العالي قدرًا كبيرًا من الدعم والتمكين؛ في الموارد، والبنية، والتطوير، وبناء القدرات، والتحول الرقمي، وربط البرامج بمستهدفات التنمية. ومن ثم فإن قيمة الاعتماد لا تنفصل عن قيمة هذا الاستثمار الكبير؛ فكلما عظمت الإمكانات، تعاظمت المسؤولية عن تحويلها إلى نتائج تليق بها. وليس المطلوب أن تتشابه الجامعات في أرقامها، بل أن يكون لكل جامعة أثر يمكن أن يقال معه إن ما قدمه الوطن لها عاد إليه معرفةً، وكفاءةً، وخريجًا أكثر جاهزية.

وحين نقرأ جامعة جازان داخل هذا المشهد نجد أمامنا حضورًا واسعًا في مسار الاعتماد؛ فقد أعلنت وصول نسبة برامج البكالوريوس المؤهلة الحاصلة على الاعتماد البرامجي إلى 95%، وبلوغ النسبة في برامج الدراسات العليا المؤهلة 81.25%. وهذه أرقام مهمة؛ لأنها تعكس حجم الحضور الذي بلغته الجامعة في مسار التقويم والاعتماد، لكنها لا تكفي وحدها لفهم ما جرى داخل كل برنامج على امتداد رحلته؛ فقد يكون الاعتماد كاملًا، وقد يكون مشروطًا، وقد ينتقل البرنامج من حالة إلى أخرى بعد مراجعة وتحسين. وتصبح القراءة أكثر فائدة حين تنتقل من الرقم الإجمالي إلى مسار البرنامج نفسه؛ لأن السؤال لا يعود: كم برنامجًا اعتمد؟ بل ماذا تعلّم البرنامج من كل دورة، وما الذي تغيّر فيه بعدها؟

ويظهر هذا السؤال بوضوح في برنامج بكالوريوس اللغة الإنجليزية؛ فقد حصل على اعتماده المشروط الأول للفترة من أكتوبر 2022 إلى سبتمبر 2024، وكان نطاق الاعتماد آنذاك -بحسب معطيات البرنامج- يشمل معظم المقرات التي كان يُقدَّم فيها، في وقت كان فيه عدد أعضاء القسم أقل من نصف حجمه الحالي تقريبًا. وبعد ذلك شهدت البيئة الأكاديمية إعادة هيكلة ودمج كيانات في قسم علمي واحد يضم قرابة 300 عضو هيئة تدريس، واتسع معه حضور الخبرات والتخصصات، فيما أصبح نطاق الاعتماد الجديد أكثر تركيزًا ومقتصرًا على الفرع الرئيس، ثم جاءت النتيجة الأحدث باعتماد مشروط آخر يمتد حتى أغسطس 2028.

ففي الدورة الأولى كان نطاق البرنامج أوسع، وكانت الموارد البشرية أقل، أما في الدورة الثانية فقد أصبحت المهمة أكثر تركيزًا، وأصبح البرنامج محاطًا بخبرات وتخصصات أكثر تنوعًا، ومضت سنوات كان يفترض أن تضيف إليه معرفة أعمق بالقياس والمراجعة والتحسين. ومع ذلك بقي مستوى الاعتماد على حاله. وهذه النتيجة لا تكفي وحدها للحكم بالتقصير؛ فالحكم المهني يحتاج إلى معرفة طبيعة الملاحظات في كل دورة، وما عولج منها وما ظهر جديدًا، لكنها تفتح سؤالًا يصعب تجاوزه: ما الذي تغيّر فعلًا بين الدورتين، وما الذي لم يتغيّر بما يكفي لينتقل البرنامج إلى الاعتماد الكامل؟

ويكتسب السؤال وزنه الأكبر حين ندرك أن البيئة التنظيمية المحيطة بالبرنامج لم تبق كما كانت؛ فقد جاء قسم اللغات الأجنبية بصورته الحالية في سياق إعادة هيكلة جامعية، واتسعت مسؤولياته الأكاديمية لتشمل بكالوريوس اللغة الإنجليزية وبرامج الدراسات العليا والإشراف على برامج اللغة الإنجليزية المكثفة. غير أن وفرة الخبرات لا تتحول بذاتها إلى جودة، كما أن كثرة البيانات واللجان لا تصنع أثرًا لمجرد وجودها؛ فالقيمة تبدأ من قدرة المؤسسة على أن تجمع هذه العناصر في اتجاه واحد، وأن تجعل من نتائج التعلم معرفة تقود إلى مراجعة المقرر، ومن القياس سببًا لقرار، ومن القرار تغييرًا يمكن أن يلمسه الطالب في تجربته ومهاراته واستعداده للحياة خارج القاعة الدراسية. فالجامعة لا تُختبر في مقدار ما يتوافر لديها من خبرات فحسب، بل في مقدار ما تستطيع أن تحوله من تلك الخبرات إلى قيمة تسكن في طلابها.

ويزداد السؤال عمقًا حين نضع الاستثمار المؤسسي في ميزان الأثر؛ فقد أبرمت جامعة جازان في 2025 عقودًا للدراسات التقويمية لاعتماد عدد من البرامج، وكان بكالوريوس اللغة الإنجليزية أحدها. والاعتماد بطبيعته ليس إجراءً بلا تكلفة؛ فإلى جانب المقابل المباشر لخدماته توجد ساعات عمل أكاديمية وإدارية، ودراسة ذاتية، وبيانات وشواهد، وتدريب ومراجعات واستعداد للزيارة، ثم خطط للتحسين والمتابعة. وهذا لا يعني أن حصول البرنامج على اعتماد مشروط ينتقص من قيمة ما استُثمر فيه، أو يجيز القفز إلى حكم على سلامة الإنفاق؛ فمثل هذه الأحكام لا تصنعها النتيجة وحدها. غير أن فلسفة الجودة تضيف إلى سلامة الإجراء وحسن إدارة الموارد سؤالًا آخر لا يقل أهمية: ما الأثر الذي تركه هذا الاستثمار في البرنامج؟ فإذا أظهرت المراجعة فجوات حقيقية، وأعادت المؤسسة بسببها النظر في المنهج والتقويم والممارسة، ثم ظهر أثر ذلك في المخرجات، فقد بدأ الاستثمار يحقق غايته حتى وإن لم ينتقل البرنامج مباشرة إلى الاعتماد الكامل. أما تكرار المستوى المشروط، فلا يبرر حكمًا متعجلًا، لكنه يجعل قراءة ما جرى بين الدورتين أكثر أهمية: ما الذي عولج، وما الذي بقي، وهل كانت الملاحظات الجديدة امتدادًا لتحديات سابقة أم نتيجة لتحولات جديدة في البرنامج؟ فالقيمة المهنية لا تُقرأ في قرار اعتماد منفرد، وإنما في مقدار ما تتعلمه المؤسسة من كل دورة وما تضيفه إلى التي تليها.

والجودة لا تنفصل عن القرار؛ فنتيجة البرنامج تتأثر بكيفية توزيع المسؤوليات، واستثمار الخبرات، وقراءة البيانات، وتحويل نتائج التقويم إلى تحسين فعلي. ولهذا لا يتجه السؤال إلى الأشخاص، وإنما إلى قدرة المؤسسة على مراجعة خياراتها وتطوير أدواتها كلما دلت النتائج على حاجة إلى مزيد من التحسين. فالمساءلة المؤسسية في معناها الإيجابي ليست بحثًا عن موضع للوم، بل آلية لحماية جودة القرار وتعظيم أثره.

وقد سألت في مقال سابق: «ماذا لو نجحت الجامعة... وخسر الطالب؟»، وكان جوهر السؤال أن الاعتماد لم يوجد ليحل محل جودة التعليم، بل ليحميها، وأن الخطر يبدأ حين تنشغل المؤسسة بإكمال النماذج وترتيب الملفات أكثر مما تنشغل بما يحدث في عقل الطالب ومهارته. أما السؤال اليوم فيتقدم خطوة أخرى؛ فلا نسأل فقط ماذا كسب الطالب من الاعتماد، بل ماذا تعلمت الجامعة من نتيجة الاعتماد نفسها، وهل جعلتها كل دورة أكثر وعيًا ببرنامجها وأكثر قدرة على تحويل التقويم إلى مخرجات وممارسات تعليمية أفضل؟

فالطالب لا يعرف قيمة عقد الاعتماد، ولا عدد صفحات الدراسة الذاتية، ولا كم لجنة سبقت الزيارة، وهذه ليست الأشياء التي سترافقه بعد الجامعة؛ ما سيبقى معه هو ما صنعته الجامعة في عقله، ولغته، ومهاراته، وثقته بقدرته على أن يجد مكانه في الحياة والعمل. وبعد سنوات، ستظهر قيمة ما تعلمه حين يواجه موقفًا يحتاج إلى معرفة، أو قرارًا يحتاج إلى وعي، أو مهمة تضع كفاءته واستقلاله ونضجه موضع الاختبار؛ وهناك أيضًا يلمس صاحب العمل جودة التعليم في قدرة الخريج على الأداء والتعلم والتكيف، لا في اسم الاعتماد المدوّن في ملف البرنامج. ولهذا فإن المخرج التعليمي ليس آخر بند في منظومة الجودة، بل الموضع الذي تُختبر فيه حقيقتها كلها؛ ففي الإنسان تظهر قيمة القيادة، وجدوى الإنفاق، وحسن استثمار الخبرات، ويتبين إن كانت الجودة قد بقيت لغة تدور داخل المؤسسة، أم أصبحت معرفة ومهارة وثقة يحملها الخريج معه إلى ما بعد أسوارها. ولا تكتمل قيمة ما يُستثمر في الجامعة إلا إذا خرج الطالب منها وفيه من المعرفة والمهارة والنضج ما لم يكن فيه يوم دخلها.

ومع ما حققته منظومة الاعتماد السعودية من حضور واسع في التعليم العالي، يصبح الأجدى ألا نكتفي بإضافة رقم جديد إلى ما نملكه من مؤشرات، بل أن نجعل هذه المؤشرات أكثر قدرة على قراءة مسار التحسين ذاته؛ انتقال البرنامج من حالة إلى أخرى، وما تعلمه من ملاحظاته، وما انعكس على طلابه ومخرجاته بعد كل دورة. وحين تنتقل هذه المعرفة بين المؤسسات وتتراكم خبراتها، لا تبقى تجارب النجاح والتحسين حبيسة الجامعة التي صنعتها، بل تتشكل منها ذاكرة وطنية للجودة، يبدأ فيها اللاحق من حيث انتهت خبرة السابق، وتتحول التجربة المؤسسية من منجز محلي إلى معرفة تنتفع بها المنظومة كلها.

وفي المملكة التي جعلت الإنسان في قلب تحولها، لا تنتهي قيمة الاعتماد عند معرفة أن البرنامج «معتمد»، بل تبدأ من السؤال عما يعنيه هذا الاعتماد في حياة البرنامج وطلبته: ماذا تعلّم البرنامج؟ وما الذي تغيّر فيه؟ وكيف انعكس ما حظي به من دعم وموارد وخبرات على الإنسان الذي جاء إلى الجامعة بحثًا عن مستقبله؟ فالقيمة الحقيقية للجامعة لا تظهر في حجم ما أتيح لها من إمكانات بقدر ما تظهر في قدرتها على تحويل تلك الإمكانات إلى معرفة ومهارة وفرصة؛ والاعتماد لا يبلغ غايته حين تُعلّق شهادته، وإنما حين يظهر أثره في طالب أصبح أكثر علمًا وثقةً وجاهزية، ثم يمضي بما اكتسبه إلى وطن استثمر فيه وينتظر منه أن يضيف إليه.