يذكر أن عالمة أجرت إحدى التجارب، فوضعت الضفدعة الأولى في إناء به ماء ساخن جدا«فقفزت الضفدعة في الحال من الماء، بعدها وضعت الضفدعة الثانية في ماء بارد، الضفدعة لم تقفز من الماء، وبتدرج شديد أخذت العالمة ترفع درجة حرارة الماء، فكانت الضفدعة تتأقلم تدريجيا مع الماء وظلت تغلي حتى الموت»! من خلال القصة يتبين مفهوم دارج وهو «التأقلم أو التكيف»، فقد تتغير الظروف من حولنا مثل الضفدعة الثانية، فنتأقلم لدرجة أننا لا نلاحظ حجم الإساءة أو الضرر المحيط، حتى نعيش في بيئة تستنزف أرواحنا وتُثقل نفوسنا. وعلى النقيض من ذلك، نجد الضفدعة الأولى قفزت في الحال من الماء الساخن، لأنها لاحظت التباين الكبير بين الهواء الملائم الذي كانت فيه والماء الذي وضعت فيه، شعرت بالاختلاف وكانت قادرة على التمييز بسرعة بين الإساءة الواضحة الصريحة والتلاعب بالمشاعر بصورة بطيئة.

التكيّف عملية مستمرة يسعى الفرد من خلالها الى تحقيق تناغم بينه وبين البيئة. فإذا كانت البيئة من حوله شرسة تستوطن الشر وتتبنى مبدأ النقد لأجل النقد فقط، فقبولها لمجرد الاستمرار فيها ليس تكيفاً، بل تنازلاً عن الذات وإهداراً لسلامها النفسي.

منذ طفولتنا، فطرتنا تدفعنا للابتعاد عن أي أذى يلاحقنا أو يشكّل تهديدا لسلامتنا، فنفرّ من البيئات القاسية التي تسمم أرواحنا وتثقل نفوسنا، دون أن نشعر أننا ملزمون بالمجاملة أو البقاء. فلماذا حين كبرنا، جعلنا المجاملة دستوراً يحكم علاقاتنا، حتى وإن كان على حساب راحتنا وسلامنا النفسي.


التكيف الواعي مع متغيرات الحياة شيء مهم، لكن أن يصل المرء إلى التأقلم لدرجة الذوبان والاندماج في الصراعات السلوكية، فهذا عارض مرضي خطير.

التأقلم في العلاقات التفاعلية بين البشر له حدود وقيود تحكمه، بغض النظر عن سماكة ورقّة تلك العلاقات، فبعض العلاقات مرهونة والبعض الآخر متعلقة.

العلاقات الإنسانية السليمة تقوم على مجموعة من الأسس، من أهمها إيمان الإنسان بقيمته وأهميته، وإدراكه أنه يستحق التقدير والاحترام، إلى جانب تبني العدل في المعاملة. فتقدير الذات يُلزم الإنسان باحترام نفسه كما يدفع الآخرين الى احترامه. أكد علماء النفس دور تقدير الذات في تلبية الاحتياجات الأساسية بما يسهم في النمو الاجتماعي السلي، ويعين الفرد على تحقيق النجاح والتميز.

أخيرا، التخّلي والقفز في العلاقات ليس هو القاعدة إنما هو استثناء، أي إن قطع تلك العلاقات لا يتم إلا عندما يصل الأذى الصريح في العلاقات إلى درجة ألا يكون هناك مجال للشك بأنه أذى كامل صريح، وتتحول العلاقة إلى مصدر مستمر للأذى، وتستنفد محاولات الإصلاح والحوار. عندها يجب الرحيل وحرق جميع أوراق تاريخ تلك العلاقة، فالبعض لديه علاقات تنتظر الإعدام، ما لم تكن في حدود الشرع.