هذا المشهد سبقه مشهد أكبر ليحيى، عليه السلام، حين بُشر بزكريا فكانت آيته أن يمتنع عن الكلام ثلاثة أيام.
إذاً فممارسة الصمت كانت معروفة عند بني إسرائيل حتى إن بعضهم يشترط المواظبة عليها لتحسين عباداته.
فما هو الصمت المقصود هنا؟ وما الرسالة من ورائه؟
الصمت الذي أطلق عليه اللفظ القرآني (صوما) هو في الحقيقة شكل من أشكال امتناع الأنا لا امتناع الحضور. أو لنقل هو التوقف المؤقت عن تغذية الذات، فالذات تعيش وتقلق وتملأ فراغاتها بالكلام.
فكرة الصوم عن الكلام عرفتها الرهبانية المسيحية لاحقا كأحد مظاهر التأمل والتواضع، كما سمتها التقاليد الهندية (ماونا) الطريق إلى المطلق، أما البوذية فأطلقت عليه (الصمت النبيل)، أما الإسلام فقد جعلها حالة خيرية (فليقل خيرا أو ليصمت) أي قل خيرا أو اصمت.
تعددت العقائد والتقاليد لكن بقي خلفها إدراك واحد: أن الإنسان يحتاج أحيانا إلى إيقاف سيل الكلام حتى يسمع الأشياء بعمق أكبر.
اللغة، لا تنقل أفكارنا فقط، بل تصنعها أيضا. وحين نتحدث باستمرار فإننا نحول التجربة إلى رأي قبل أن تكتمل في دواخلنا. والمفارقة أن هذا التحول السريع صار سمة العصر. فما أن يصل الخبر حتى تتبعه الآراء، فتأتي الإجابات قبل أن بهدأ الانفعال، وتبدأ المواقف العامة قبل إتمام المعلومة. لأن الكلام لم يعد صنيعة الصوت فقط، الأصابع أيضا صارت تتكلم عبر الشاشات. فأصبح الكلام المستمر شكلا من أشكال الحضور، حتى صار الامتناع عن المشاركة أقرب إلى الغياب.
هنا تستعيد تجربة الصمت القديمة معناها، بعيدا عن أي طقس مستعار: أن نصوم أحيانا عن إنتاج الكلام. أن يمر الحدث فلا نسارع إلى تفسيره، وأن نتعرض للاستفزاز فلا يكون الرد غريزة، وأن نترك السؤال يوما كاملا قبل أن نجيب عليه. ففي المساحة الفاصلة بين ما يحدث وما نقوله عنه يعمل العقل على المراجعة، ويهدأ الانفعال، ويتضح المعنى، وقد يتحول اليقين السريع إلى سؤال أكثر صدقا ووجاهة. هذا الصمت اختيار من يملك القدرة على الكلام، ولذلك تكمن فيه سيادة حقيقية على الذات.
القوة ليست في الصوت المرتفع دائما، بل في أن تضع كل كلمة ممكنة رهن الحاجة الفعلية إلبها، وليست رهن الانفعال اللحظي.
«لن أكلم (اليوم) إنسيا»، تلتفت الآية الكريمة بكلمة (اليوم) إلى مفهوم متعلق بالزمن، فالصمت المقصود محدود بزمن، مثل دعوة إلى استراحة مؤقتة من واجب الشرح واستنزاف الدفاع وإغراء الرد الفوري. هو حالة سماح بإفراغ التراكمات المشاعرية تمهيدا لاستقبال موقف أفضل وأكثر توازنا وانتقاء.
وهذا تحديدا ما يحتاجه إنسان اليوم المثقل بصناعة الحضور: أن يستعيد قدرة قديمة على ترك يوم لا يقول فيه كل ما يستطيع قوله.