ومن تلك الأهداف الإطاحة برموز السلفيين وعلمائهم، بادعاء أنهم مفرطون فيما يجب عليهم- بنظرهم- في الخصومة مع (أهل البدع) في حين أن مختلف الطوائف التي رد عليها السلفيون لا يدعون أن من لا يحكم على السيوطي بأنه كافر عينًا، بأنه على منهجه أو متقرب منه أو حتى مداهن له! وكثيرون تناولوا طرق الحدادية بالبحث الشرعي وأجادوا في ذلك، الذي يهم هنا التنبيه على الجانب النفسي والاجتماعي الذي يعمل في هذا التيار. فمع وسائل التواصل الاجتماعي عاد ذكر هؤلاء إلى الواجهة رغم أن بعضهم لم يكن محسوبًا على الحدادية إنما دفعته الخصومة إليها، وتحت السطح يبرز العامل الاجتماعي، فأحد مشاهيرهم في الكويت لا يحمل الجنسية الكويتية، وأحدث ضجة في مواقفه المحتدة على أبي حنيفة وغيره من الأئمة، حتى تسربت له صوتية يدعو فيها على من وصفهم بأكثر السلفية لحبهم ابن حجر العسقلاني!
هذا الجانب الانفصالي عن السلفيين يمثل حاجته لمنح موقفه لباس الدين، فيشرع بذلك موقفه من الدولة والمجتمع ونفرته عن الالتقاء على أرضية مشتركة مع كثير من مشايخ السلفيين الذين يراهم في وظائفهم الرسمية، فضلًا عن الضعف العلمي، إذ إن كثرًا من رموز هذا التيار لا يحملون شهادات في التخصصات الشرعية، فيتخذون موقف الهجوم بدل الدفاع عن أنفسهم والتعريف بمؤهلاتهم، فيبادر الواحد منهم بالسؤال عن الموقف من السيوطي أو ابن حجر العسقلاني مثلًا! وكأنه يلغي بذلك مؤهلات خصومه، فيدعي أن خصمه (مميع) وبجرة قلم يسقط أكبر العلماء من نفوس أتباعه من الشباب الصغار.
فالحاجة إلى الرياسة والتصدر ظاهرة فيهم، ومن ذلك اعتمادهم على إحداث ضجة (ترند) عبر الإعلان عن مناظرات لم تثبت مرة قيمتها العلمية، أو الحديث المسهب لواجهة إعلامية لهم في (يوتيوب) فيما يحدث جدلًا ليزيد التفاعل مع حساباتهم وقنواتهم. وهذا يفسر سبب انتقال أحد السلفيين السابقين إلى صفوفهم بعد أن حاز عدة شهادات أكاديمية فيما يرفضه اليوم ويصفه بالتمييع واستبدل البحوث والكتابة بالظهور في قنوات يوتيوب، ويفسر ذلك بأنه لم يجد صدارة له فيما سبق، فآثر الانتقال إلى ما يحدث له ذكرًا بعد خمول، لا سيما أن المسائل التي يبحثون فيها أشبه بالشعارات السطحية التي يسهل انتشارها بين فئة من الشباب كتكفير السيوطي، ولمز النووي، وكثير منهم إن لم يكن أغلبهم لم يقرؤوا بعض تراثه فضلًا عن جله.
وفي المحصلة لا يشكل هذا التيار أي تهديد حقيقي على الطوائف المخاصمة للسلفية في الجانب الفكري والدعوي، رغم تفلته ووعيده وأحكامه اللفظية القاسية فيهم، بل على العكس من ذلك إذ رصد اعتماد كثير من تلك الفئات على ما ينشره كثير من الحدادية لخدمة تلك المذاهب بتصوير المتحدث كأنه يمثل السلفيين، ليشكلوا عن السلفية صورة تنفير، فهذا التيار يصب جهوده على السلفيين حتى إن منهم من صار يقول إنهم لا يستجيز أن يقول عن نفسه سلفيًا، إنما يتبع السلف، كأنه يحتاج إلى عبقرية ليستنبط من ذلك اسم فاعل! هذه الخصومة هدفها الاستحواذ على السلفية، وجعلها تابعة لهم ونصب رموزهم الذين لم يعرفوا ببروز في الجانب العلمي على أنهم علماء السلفية.
وكثير من الفئات المنعزلة اجتماعيًا تحلقت حول هذا التيار من باب الجمعيات الأخوية التي تشكل حاضنة بديلة للأسرة، أو الانفصال عن المجتمع، وبعضهم اعتمد في دخله على المساعدات التي يتبرع بها الأتباع لهم، وهكذا شكلوا ما يشبه الأخوية التي لا يوجد لها مناهج تشكل مذهبًا بقدر ما يوجد عندها اعتراضات على غيرها فحسب، فتجمعهم لا يجمعه منهج بقدر ما تجمعه مواقف منافرة للسلفية، فاختاروا أن خاصموها للاستحواذ عليها.