جَمَعَ كتاب «مع الزمان محطات في الحياة» بين الذكريات الجميلة والسيرة النقية، والمواقف الثرية، مدعومة بوثائق وصور، اختزلت عقودًا مضت، لكنها بقيت تبوح بالحنين للزمان والمكان، وتنبض بالوفاء لوطننا الحبيب وقيادته الرشيدة.

كتاب خرج من الذاتية الممجوجة التي عانت منها بعض كُتب السير، لينجح مؤلفه القامة الاجتماعية والإدارية محمد بن عبدالوهاب أبوملحة في توثيق ملامح عن محطات تاريخية واجتماعية مهمة، واستطاع بثقافته الأصيلة، وخبراته المتراكمة وعلاقاته الواسعة، وذاكرته المتقدة أن ينقل تفاصيل مجتمع عاش فيه، وتفاعل معه، كما أفرد صفحات تقدير ومحبة، وجبر خواطر لزملاء وأساتذة، وجيران وأصدقاء، جمعتهم أعوام سكب عليها ربيع العمر شذا المودة والإخاء.

ومن يتصفح الكتاب الذي يمثل مرجعًا للباحثين والمؤرخين يلمس مدى الجهود الكبيرة التي بذلها المؤلف في جمعه وسرده معلومات وحكايات، وتحولات تاريخية تنموية واجتماعية مهمة.


يقول الكاتب سعيد القرشي «الكتابة غواية أكثر بريقًا وغنى وإغناءً وانغماسًا في الحياة واقترابًا من البشر المحبين للحياة».

واشتمل الكتاب على فصل تناول فيه حزمة مقترحات سبقت عصرها، طرحها المؤلف قبل عقدين عندما كان عضوًا في مجلس منطقة عسير، ومنها دعوته إلى التوسع الرأسي للعمائر في مدينة أبها والمحافظات، وأن يسود اللون الأبيض منشآت الأماكن السياحية، وألوان أخرى تميز المستشفيات، المستوصفات، المدارس.

ومن أجمل المقترحات التي طالب بها أبو ملحة إنشاء مركز للتجارب الزراعية أسوة بالمركز الذي في منطقة جازان، وتشجيع ودعم زراعة بعض الفواكه الصيفية في أبها والسودة والمرتفعات كالتين الشوكي، اللوز، المشمس، الخوخ، التفاح، الخضروات، الزهور، التين، ويتم التركيز على زراعة وإنتاج العنب والرمان والحبوب في محافظتي خميس مشيط وأحد رفيدة وما جاورها.

كما اقترح كتابة الحروف اللاتينية «الإنجليزية» بعد العربية على لوحات المعالم والقرى والشوارع والطرق والأودية وذلك لكون منطقة عسير سياحية يرتادها الكثير من الزوار.

يقول المؤلف في تقديمه للكتاب «استشعرت وأيقنت بجريان الزمن بين أيدينا دون أن نستطيع الإفلات من سُننه، ووجدت لديّ -خلال مسيرة العمر- كثيرًا مما يجب عليَّ قيده وإباحة علمه ورؤيته».

وأضاف: «حرصت كثيرًا على إيراد ما أمكنني من وثائق وصور من الكثير الذي أملكه على اعتبار أن الزمن قد صار زمن الصورة، وأن التعبير عنها لفظيًا يأتي تابعًا لها».

في الأسبوع الماضي حضر مؤلف الكتاب اللقاء المسائي الأبهاوي الذي ينظمه التربوي القدير محمد بن عايض بن سرحان

بجوار ساحة مصلى العيد بأبها، وهو لقاء شبه يومي، وكعادته لفت «أبوطارق» انتباه الحضور بذكرياته الجميلة عن مراحل التعليم الإعدادي والثانوي في مدينة أبها قبل أكثر من ستة عقود، وسرد قصصًا عن الحياة اليومية لطلاب المدارس، وكيف كانت البيئة التعليمية، ومدى تفاعل المجتمع إلى جانب تعامل المعلمين وصرامتهم آنذاك، وردود أفعال الطلاب ومواقفهم الذكية في رفض بعض تصرفاتهم.

هي قصص تأتي من شاهد عيان عاصر النقلة النوعية والمتسارعة، والاهتمام الكبير الذي حظي به التعليم في بلادنا، وأعتقد أنها ذكريات لو رصدها أحد كتاب الدراما، لكانت مادة تحمل قيمة تاريخية واجتماعية، يبنى عليها في عمل سينمائي أو تلفزيوني متميز.