تجارب مختلفة، لكن اسمًا واحدًا يتكرر في ذهن كثيرين عند الحديث عنها: الموارد البشرية.
فكيف أصبحت الإدارة التي تحمل كلمة «البشرية» في اسمها مرتبطة لدى البعض بالرفض والخصومات والقرارات غير المحببة؟ ومن الذي صنع هذه الصورة؟
الصورة لم تأتِ من فرا.. من السهل القول إن هناك سوء فهم لدور الموارد البشرية، لكن الصورة الذهنية تُبنى غالبًا من التجارب.
فالموظف الذي لا يتواصل معه قسم الموارد البشرية إلا عند وجود مخالفة أو إجراء، قد يربط وجوده بالمشكلات. ومن لا يفهم سبب رفض طلبه قد يرى القرار تعسفيًا، حتى لو كان خلفه سبب تنظيمي. أما الباحث عن عمل الذي يحضر مقابلة ثم ينتظر دون رد، فلن يعرف تفاصيل عملية الاختيار، لكنه سيعرف أن تجربته لم تكن جيدة.
ومع تكرار مثل هذه المواقف، تتحول التجربة الفردية إلى صورة عامة.
هل الموارد البشرية صاحبة القرار فعلًا؟ ليس من العدل اعتبار الموارد البشرية صاحبة كل قرار لا يعجب الموظف.
فليست كل إجازة مرفوضة قرار اتخذه موظف الموارد البشرية، وليس كل خصم أو إنذار أو إنهاء علاقة وظيفية ناتجًا عن رغبته.
هناك مديرون وصلاحيات وسياسات واحتياجات تشغيلية، وتتداخل أطراف متعددة في كثير من القرارات.
لكن الموظف غالبًا لا يرى كل هذه الأطراف، بل يرى الشخص الذي أبلغه بالقرار، وفي كثير من الأحيان يكون من الموارد البشرية.
وهكذا تصبح الموارد البشرية واجهة لقرارات قد لا تكون هي من اتخذتها. ومع ذلك، تبقى مسؤولة عن جانب مهم: كيف يصل القرار إلى الموظف؟
أحيانًا المشكلة ليست في «لا»، لن تستطيع الموارد البشرية الموافقة على كل طلب، أو قبول كل متقدم، أو جعل جميع القرارات مرضية للجميع. لكن هناك فرقًا بين الرفض والتجاهل، وبين تطبيق الإجراء والتعامل بجمود.
ومن واقع العمل في الموارد البشرية، أرى أن بعض المواقف التي تتحول إلى خلافات كبيرة لم تبدأ أصلًا من قرار كبير، بل من فجوة صغيرة في التواصل؛ موظف لا يعرف لماذا رُفض طلبه، أو إجراء طُبق دون أن يُشرح سببه، أو استفسار بسيط تأخر الرد عليه.
وهنا ندرك أن جزءًا من عمل الموارد البشرية ليس تنفيذ الإجراء فقط، بل التأكد من أن الموظف يفهم ما يحدث ولماذا.
«خبرتك قليلة»... ثم «خبرتك أكبر من الوظيفة»
حتى الباحث عن عمل قد يسهم احتكاكه بالموارد البشرية في تشكيل هذه الصورة؛ فقد يسمع في بداية مسيرته أن خبرته غير كافية، ثم يسمع بعد سنوات أنها أعلى من متطلبات الوظيفة.
قد تكون هناك أسباب مهنية منطقية لاختيار المرشح الأكثر ملاءمة للدور، لكن المشكلة تبدأ عندما تغيب الشفافية وتتحول هذه العبارات إلى إجابات عامة لا تساعد المتقدم على فهم سبب عدم اختياره.
الموارد البشرية ليست محامي الموظف... ولا خصمه.
بعض الموظفين يتوقعون من الموارد البشرية الوقوف إلى جانبهم في كل خلاف، بينما قد تنظر إليها بعض الإدارات باعتبارها مجرد جهة لتنفيذ القرارات. لكن دورها المهني ليس هذا ولا ذاك.
الموارد البشرية جزء من المنشأة وتعمل لتحقيق أهدافها، وفي الوقت نفسه تتعامل مع أهم عناصرها: الإنسان. ولذلك فإن نجاحها يكمن في إدارة هذه العلاقة بعدالة ووضوح ومهنية، دون أن تفقد الجانب الإنساني.
وربما أحد تحديات هذه المهنة أن نجاحها لا يكون ظاهرًا دائمًا. فالإجراء الذي أُنجز بسلاسة، والمشكلة التي حُلّت قبل أن تتفاقم، والموظف الذي حصل على إجابته بوضوح، قد تمر جميعها دون ملاحظة. بينما تجربة سلبية واحدة قد تبقى في الذاكرة سنوات، وتتحول إلى قصة تُروى عن «الموارد البشرية».
من شوّه الصورة إذًا؟ ربما لا يوجد طرف واحد.
بعض الممارسات غير المهنية أسهمت فيها، وضعف التواصل أسهم فيها، وبعض القرارات الإدارية التي ظهرت للموظف باسم الموارد البشرية أسهمت فيها، وحتى التوقعات غير الواقعية عن دورها كان لها نصيب.
وتغيير هذه الصورة لن يحدث بالحديث عن أهمية «العنصر البشري» فقط، بل بالتجربة اليومية التي يعيشها الموظف والمتقدم.
قد ينسى الموظف تفاصيل الإجراء، لكنه غالبًا لن ينسى الطريقة التي عومل بها.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم: من شوّه صورة الموارد البشرية؟ بل: ماذا تفعل الموارد البشرية اليوم لتغييرها؟