ومع هذا السجل، يتخذ الحوثي من المسجد الأقصى عنوانًا كبيرًا لخطابه، ويقدّم تحركاته العسكرية تحت راية «نصرة القدس» والدفاع عن المقدسات. وقبل أن نسأل عما فعله للأقصى، يفرض سؤال آخر نفسه: ماذا فعل بالمساجد التي وقعت تحت يده؟
وهنا الأرقام تجيب بما تحجبه الشعارات.
ففي أغسطس 2026، وثّق تقرير صادر عن مؤسسة حقوقية يمنية 4651 جريمة وانتهاكًا بحق المساجد والأئمة والخطباء والأقليات الدينية في 14 محافظة يمنية، خلال الفترة من يناير 2014 حتى أغسطس 2026، ووصف التقرير ذلك بأنه سياسة منظمة للسيطرة على المساجد والمنابر والأوقاف، وإقصاء المخالفين وفرض خطاب مذهبي.
وفي تفاصيل المشهد ما هو أشد دلالة من الرقم الكبير نفسه: مساجد فُخخت وفُجّرت، وأخرى قُصفت أو أُحرقت، ومئات اقتُحمت ونُهبت أو أُغلقت، وأخرى تحولت إلى ثكنات ومراكز للتعبئة وغرف عمليات ومخازن للسلاح، بل إلى أماكن لمضغ القات والرقص.
وهكذا يفقد المسجد تحت سلطة الجماعة حرمته ووظيفته؛ فالمنبر الذي لا يخضع، والإمام الذي لا يستجيب، والمسجد الذي لا يتحول إلى منصة للمشروع العقائدي والسياسي، يصبح عرضة للسيطرة والإغلاق، وربما الهدم والتفجير.
ويرتبط هذا السلوك بالبناء الفكري للجماعة؛ فالحوثية حركة عقائدية لها مرجعيتها ومقولاتها في «الولاية» ورؤيتها لخصومها ومؤسساتهم الدينية، وقد ظهر أثر ذلك مبكرًا في صعدة ودماج، ثم اتسع مع تمدد الجماعة وسيطرتها على مناطق أخرى من اليمن.
هنا يظهر التناقض: جماعة تجعل من المسجد الأقصى عنوانًا دينيًا وأخلاقيًا لتحركاتها، فيما تنسب إليها التقارير الحقوقية آلاف الانتهاكات بحق المساجد وأئمتها وخطبائها.
ولم يبق هذا الخطر داخل حدود اليمن، بل وصل إلى جوار أقدس بقاع المسلمين.
ففي أكتوبر 2016 أعلنت قوات التحالف اعتراض صاروخ باليستي أُطلق من صعدة باتجاه منطقة مكة المكرمة، ودُمّر على مسافة نحو 65 كيلومترًا منها. وأكد الحوثيون إطلاق الصاروخ وإن ادعوا أن وجهته جدة.
وبعد نحو عشر سنوات، عاد المشهد بصورة أكثر مباشرة في سبتمبر 2026، حين اعترضت الدفاعات الجوية السعودية طائرة مسيّرة حوثية جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة.
وأمام هذا السجل، يعود السؤال من جديد:
عن أي نصرة للمسجد الأقصى يتحدث خطاب جماعة تنسب إليها التقارير آلاف الانتهاكات بحق مساجد المسلمين، ووصلت صواريخها ومسيّراتها إلى جوار مكة المكرمة؟
أراد الحوثي أن يجعل من الأقصى عنوانًا لمشروعه، لكن مساجد اليمن تشهد عليه بأنه عدو المساجد لا نصيرها.