في زمنٍ تتداخل فيه الثقافة مع الاقتصاد، والسياحة مع السياسة، والمُدن مع شبكات المعرفة والابتكار، بدأت مدنٌ عربيّة عديدة تتحوَّل من مجرّد فضاءات جغرافيّة وإداريّة إلى فاعليّات تمتلك قدراتٍ متزايدة على بناء العلاقات، واستقطاب العالَم، وإنتاج الصور والرموز، والتأثير في الآخرين. وإذا كانت الدبلوماسيّة التقليديّة تتحدّث باسم الدولة عبر السفارات ووزارات الخارجيّة، فإنّ المدينة تستطيع أن تتحدّث بلغةٍ مختلفة؛ بلغة المكان، والثقافة، والذاكرة، والفنّ، والاقتصاد، وتفاعلات الحياة اليوميّة.

ولعلّ أهميّة هذا التحوُّل أنّه يأتي في لحظةٍ تتغيّر فيها طبيعة القوّة نفسها. فالقدرة على الجذْب، وإنتاج المعرفة، وصناعة الصورة، وبناء الشبكات، واستضافة الآخرين، والتأثير في الأجندة الدوليّة، عناصر أساسيّة في تحديد مكانة الفاعلين داخل النظام الدولي. وقد أعادت العوْلَمةُ توزيع الوظائف بين المُدن. فأصبح من المُمكن أن تكون مدينةٌ في دولةٍ ما أكثر حضوراً عالميّاً في مجالٍ معيّن من عاصمةِ الدولة السياسيّة نفسها. وقد تصبح مدينةٌ بوّابة الدولة إلى العالَم، حتّى وإن لم تكُن مركز الحُكم. ويُمكن أن تَمتلك علامةً تجاريّة أكثر وضوحاً، وأن تكون أكثر قدرةً على إنتاج تجربةٍ إنسانيّة مباشرة، وهنا تتحوّل المدينة إلى علامة دوليّة.


نماذج عربيّة: كيف تَصنع المُدن نفوذَها الثقافيّ والدبلوماسيّ؟
  1. دبي: عندما تُصبح المدينة علامةً تتجاوز حدود الدولة
ربّما تمثّل دبي مثالاً واضحاً لفكرة المدينة بوصفها فاعلاً عالميّاً. فقد نجحتْ دبي في بناء علامةٍ حضريّة مستقلّة شديدة القوّة، ترتبط بالطيران والتجارة والسياحة والعقار والفعاليّات العالميّة وريادة الأعمال والخدمات. وقد أَسهم موقعُها في تحويلها إلى نقطةِ التقاءٍ بين الشرق والغرب، لكنّها لم تعتمد على الموقع الجغرافي وحده؛ بل بَنَتْ منظومةً متكاملة من البنية التحتيّة والفعاليّات والخدمات والتسويق الدولي. وهنا تحوَّلت دبي من الدبلوماسيّة الثقافيّة بالمعنى التقليدي، إلى دبلوماسيّة التجربة.
  1. الرياض: من العاصمة السياسيّة إلى منصّة المستقبل
تَنطلق الرياض من كونها العاصمة السياسيّة للمَملكة العربيّة السعوديّة، لكنّها تسعى في الوقت نفسه إلى إعادة تعريف نفسها باعتبارها مدينةً عالميّةً ذات وظائف اقتصاديّة وثقافيّة وتقنيّة ورياضيّة. وهنا يُصبح مشروع المدينة جزءاً من مشروع الدولة، لكنّ المدينة نفسها تتحوّل إلى الواجهة التي يَرى العالَمُ من خلالها التحوُّلَ السعوديّ.
  1. الدوحة: الرياضة بوصفها دبلوماسيّة حضريّة
إذا كانت الرياض تُراهِن بدرجةٍ كبيرة على المستقبل والتحوُّل الحضري، فإنّ الدوحة قدَّمت أنموذجاً بالغ الأهميّة في استخدام الرياضة بوصفها لغةً عالميّة. وقد أدَّت استضافةُ الأحداث الرياضيّة الكبرى إلى جعْلِ الدوحة حاضرةً في الوعي العالَمي بطريقةٍ لا تستطيع الحملات الإعلاميّة التقليديّة تحقيقها بالسهولة نفسها.
  1. الرباط: المدينة التي تَمزج السياسة بالثقافة
تُقدِّم الرباط أنموذجاً آخر، أكثر هدوءاً، لكنّه شديد الأهميّة. فالرباط ليست عاصمةً سياسيّة للمغرب فقط، بل أصبحت خلال السنوات الماضية فضاءً للفعاليّات الثقافيّة والفنيّة والدوليّة، بينما تستفيد من موقعها المؤسَّسي، ومن وجود الجامعات والمنظّمات والمؤسّسات الثقافيّة. وهنا تَظهر أهميّة الثقافة العربيّة في بناء نفوذ لا يَعتمد على القوّة الاقتصاديّة وحدها، وأن تَنجح المدينة في تحويل مؤسّساتها كي تكون محور نقاط اتّصالاتٍ دوليّة.
  1. الإسكندريّة.. من المتوسّط إلى العالَم
تُمثّل الإسكندريّة أنموذجاً مختلفاً للمدينة التي تستطيع توظيف جغرافيّتها وذاكرتها في صناعة النفوذ الثقافي. وتؤدّي مؤسّسات مثل "مكتبة الإسكندريّة"، والفعاليّات الدوليّة، والمُلتقيات الفكريّة والفنيّة، دَوراً يتجاوز النشاط الثقافي المباشر إلى إعادة تقديم المدينة بوصفها مساحةً للحوار بين الشمال والجنوب، وبين العالَم العربي والفضاء المتوسّطي. وهذا يوضح أنّ النفوذَ الثقافي لا يحتاج دائماً إلى موارد هائلة بقدر ما يحتاج إلى امتلاك "قصّة" تستطيع المدينةُ أن تحكيها للعالَم.
  1. أصيلة.. عندما تصنع الثقافة مدينة
ولعلّ مدينة "أصيلة" المغربيّة تُقدِّم واحدةً من أكثر التجارب العربيّة دلالةً على قدرة مدينةٍ صغيرة على صناعة نفوذٍ ثقافيّ يتجاوز حجْمَها الجغرافي والديموغرافي. فقد استطاعتْ منذ انطلاق موسم أصيلة الثقافي الدولي في العام 1978 أن تبني لنفسها هويّةً ثقافيّة عالميّة. وأصبحت المدينةُ القديمة، بجدرانها وألوانها وجداريّاتها، جزءاً من التجربة الثقافيّة ذاتها، فيما تحوَّل الموسمُ إلى مساحةٍ يلتقي فيها المثقّفون والفنّانون والسياسيّون والمفكّرون من العالَم العربي وخارجه. وهنا تكمن خصوصيّة أصيلة في عدم استخدام الثقافة للترويج للمدينة فقط، بل لإعادة تشكيل هويّة المدينة من خلال الثقافة.
  1. بيروت.. نفوذ ثقافيّ على الرّغم من الأزمات
تُمثّل بيروت حالةً عربيّة مُختلفة. فالقوّة الثقافيّة للمدينة لم تَعتمد على الاستقرار السياسي أو الموارد الضخمة، وإنّما على تراكم تاريخي جَعَلَها مركزاً للنشر والصحافة والفنون والموسيقى والمسرح والحياة الفكريّة العربيّة. وعلى الرّغم من الأزمات السياسيّة والاقتصاديّة التي مرَّت بها، بقيتْ بيروت حاضرةً في المخيّلة العربيّة باعتبارها مدينةً للكتاب والفنّ والإبداع والتعدُّد الثقافي. وتَكشف قدرةُ مدينة بيروت على إعادة إنتاج صورتِها الثقافيّة، جانباً مهمّاً من القوّة الناعمة، وهو القدرة على البقاء أو الرّسوخ في الذاكرة العالميّة.
  1. عمّان: دبلوماسيّة الاستقرار والحوار
تُمثّل عمّان أنموذجاً مُختلفاً كذلك. فهي مدينة عربيّة تقع في منطقة شديدة الحساسيّة سياسيّاً وجغرافيّاً، لكنّها تمكّنت من بناء صورة مرتبطة بالحوار والاستقرار والضيافة والتواصُل الإقليمي. وتَنبع أهميّة عمّان من كونها نقطةَ التقاءٍ بين دوائر عربيّة وإقليميّة متعدّدة، ومن قدرة مؤسّساتها على المُشارَكة في المناقشات المتعلّقة بالتنمية واللّاجئين والحوْكمة والمدينة المُستدامَة.
  1. القاهرة: عندما تكون المدينة أكبر من حدودها
وفي العالَم العربي، يصعب العثور على مثالٍ أكثر تعقيداً من القاهرة. فهي ليست عاصمة مصر فقط، بل إنّها مدينة تَحمل جزءاً كبيراً من الذاكرة العربيّة الحديثة. السينما المصريّة، والكِتاب، والصحافة، والجامعات، والمسرح، والإذاعة والتلفزيون، والأزهر، والمتاحف، والآثار، كلّها جعلتِ القاهرة على مدى عقود مَركزاً لإنتاج الثقافة العربيّة وتوزيعها. لكنّ قوّة القاهرة لا تكمن في حجْمها فقط، بل في قدرتها التاريخيّة على إنتاج المحتوى العربي. ومن هنا تستطيع القاهرة أن تستعيد دَوراً أكبر في الدبلوماسيّة الثقافيّة العربيّة من خلال إعادة بناء شبكاتها مع المُدن العربيّة والأفريقيّة والمتوسّطيّة، وربْط مؤسّساتها الثقافيّة والجامعيّة والإعلاميّة بشبكاتٍ دوليّة جديدة.
  1. الشارقة: عندما تختار المدينة أن تكون ثقافيّة
تُقدِّم الشارقة أنموذجاً أكثر وضوحاً لفكرة التخصُّص الحضري. فبينما تُنافِس مدنٌ أخرى الشارقة في مجالات المال والسياحة والرياضة، بَنتِ الشارقة هويّتَها الدوليّة حول الثقافة والكِتاب والفنون والمتاحف والتراث. وهذا الأنموذج مهمّ، لأنّه يُثبِت أنّ القوّة الناعمة لا تحتاج إلى أن تكون شاملة في البداية؛ فيُمكن للمدينة أن تقول للعالَم: هذا هو المجال الذي نريد أن نكون معروفين به، ثمّ تبني المؤسّسات والشبكات حوله. وهذا هو أحد أسرار العلامة الحضريّة الناجحة، إنّه الوضوح.

نحو مؤشّر للقوّة الدبلوماسيّة للمدينة العربيّة

تَجمع الحالاتُ السابقة بين نماذج مختلفة، لكنّها تكشف جميعها عن انتقالٍ مُهمّ: الثقافة لم تَعُد مجرّد أداة لتجميل صورة المدينة، وإنّما أصبحت جزءاً من بنيتها الدبلوماسيّة. وهنا تُصبح المدينة مُختبراً للدبلوماسيّة الثقافيّة.

استناداً إلى هذه الرؤية، يُمكن اقتراح مؤشّر عربي للقوّة الدبلوماسيّة للمدن، لا بهدف وضْع المدن في ترتيبٍ تنافسي، وإنّما لفهْمِ مصادر القوّة والضعف. ويتكوَّن المؤشِّر المُقترَح من سبعة أبعاد مُترابطة، أوّلها الهويّة الحضريّة، وثانيها الرصيد الثقافي، وثالثها الحضور الدولي، ورابعها القدرة المؤسّسيّة، وخامسها المقدرة على بناء الشبكات والعلاقات مع المدن والجامعات والمؤسّسات والمنظّمات الدوليّة، وسادسها الجاذبيّة الاقتصاديّة. أمّا البُعد السابع فهو رأس المال البشري. لكنّ هناك جانباً آخر ينبغي ألّا نتجاهله. فثمّة خطر أن تتحوّل فكرة "المدينة العالميّة" إلى مشروعٍ تسويقي فقط، يُركّز على الفعاليّات والصور اللّامعة ويتجاهل السكّان الحقيقيّين. المدينة التي تريد أن تُمارِس قوّةً ناعمة في الخارج يجب أن تكون قادرة على بناء شرعيّة اجتماعيّة في الداخل.

ربّما يكون أحد أهمّ التحوّلات التي يَشهدها العالَمُ العربي اليوم هو أنّ المدينة لم تَعُد مجرّد نتيجة للسياسات الوطنيّة، بل جزءاً من صناعة السياسة نفسها. لهذا فإنّ المستقبل قد لا يكون للدول التي تَمتلك أكبر الجيوش أو الاقتصادات فقط، وإنّما للدول التي تَمتلك مُدناً تستطيع أن تَجعل الآخرين يرغبون في زيارتها، والتعاون معها، والتعلُّم منها، والعيش فيها، والحديث عنها. ليست القضيّة أن تصبح المدينة بديلاً من السفارة، بل أن تُصبح المدينةُ سفارةً من نوعٍ جديد؛ سفارة يعيش فيها الناس، وتتحرّك فيها الثقافة، وتولد فيها الأفكار، ويأتي إليها العالَم. وحين تصبح المدينة قادرةً على أن تَجعلَ العالَم يصغي إلى قصّتها، فإنّها تكون قد بدأت تُمارس الدبلوماسيّة، حتّى وإن لم تسمِّ ما تفعله دبلوماسيّة.

*مدير مركز الدراسات الاستراتيجيّة - مكتبة الإسكندريّة

* ينشر بالتزامن مع دورية أفق الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي.