هناك لحظات في الحروب لا يُعرف وزنها الحقيقي بعدد الكيلومترات التي تتغير على الخريطة، وإنما بالسؤال الذي يتغير في عقول اللاعبين. واليمن يعيش واحدة من هذه اللحظات.

لسنوات طويلة كان السؤال: كيف يمكن احتواء الحوثي؟ اليوم بدأ سؤال آخر يفرض نفسه: هل أصبح بقاء الحوثي بهذه القوة أخطر من كلفة مواجهته؟

هذا التحول هو أخطر ما جرى للحوثيين في الحرب الأخيرة. في سبتمبر الماضي اندفعت قوات الحوثي على الساحل الغربي، وسيطرت خلال أسابيع على نحو 150 كيلومترًا من ساحل البحر الأحمر، ووصلت إلى مواقع وجزر تمنحها قدرة على تهديد باب المندب. بدا المشهد حينها كأنه ذروة الصعود الحوثي. وفي الشرق كان مضيق هرمز مضطربًا بفعل الحرب مع إيران، وفي الغرب أصبح باب المندب مهددًا.


للمرة الأولى وجد العالم نفسه أمام احتمال أن تصبح بوابتا الطاقة والتجارة في المنطقة تحت ضغط محور واحد. لكن الحوثي ربما ارتكب هنا خطأه الإستراتيجي الأكبر. فالقوة التي تبالغ في استخدام موقعها الجغرافي قد تحوّل هذا الموقع من مصدر حماية لها إلى سبب لإزاحتها.

عندما كان الحوثي مشكلة يمنية، كان بالإمكان إدارة المشكلة سياسيًا وعسكريًا وانتظار التسوية. وعندما أصبح تهديدًا للملاحة في البحر الأحمر، اتسعت دائرة المتضررين. وعندما تحرك نحو باب المندب في اللحظة التي أصبح فيها هرمز مضطربًا، لم يعد الصراع على صنعاء وحدها. أصبح الصراع على أحد شرايين الاقتصاد العالمي.

هنا تغيرت المعادلة. في الرابع من أكتوبر أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بدء عملية عسكرية لاستعادة المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة أعلنت القوات الحكومية استعادة أجزاء واسعة من مديرية ذباب المطلة مباشرة على باب المندب، وسط دعم جوي سعودي كثيف.

وفي الوقت نفسه أعلنت قوات موالية للحكومة وصول تشكيلات عسكرية إلى المنطقة لقطع خطوط الإمداد المؤدية إلى المضيق. الحوثيون نفوا بعض هذه التقدمات، والمعارك ما زالت مفتوحة، لكن مجرد انتقال القوات الحكومية من الدفاع عن مواقعها إلى إعلان هدف استعادة الأراضي يمثل تغيرًا لا يمكن تجاهله. ليس معنى ذلك أن الحوثي على وشك السقوط. من الخطأ قراءة الحرب بهذه السذاجة.

الجماعة لا تزال تملك صنعاء، وتسيطر على مناطق كثيفة السكان في شمال غرب اليمن، وتمتلك ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، كما أنها ضغطت خلال الأيام الأخيرة باتجاه تعز وهددت الطريق الذي يصل المدينة بعدن.

هذه قوة عسكرية تراكمت خلال أكثر من عقد، ولا تختفي بضربة جوية أو معركة ساحلية. غير أن الجيوش والجماعات المسلحة لا تسقط عندما تفقد أول مدينة. تبدأ نهايتها عندما تفقد المعادلة التي سمحت لها بالنمو.

ومعادلة الحوثي قامت على ثلاثة عناصر: جغرافيا صعبة تحمي مركزه، دولة يمنية منقسمة أمامه، وظهير إقليمي يمنحه المعرفة والسلاح والقدرة على رفع كلفة مواجهته. تقارير خبراء الأمم المتحدة وثقت خلال السنوات الماضية وجود خبراء مرتبطين بحزب الله في مناطق الحوثيين وتعاونًا عسكريًا ولوجستيًا مع مكونات ما يسمى بمحور المقاومة.

وفي يوليو الماضي وصل الارتباط بطهران إلى درجة أثارت نقاشًا داخل مجلس الأمن بعد رحلات جوية إيرانية إلى مناطق الحوثيين دون موافقة الحكومة اليمنية.

الحرب الإقليمية الجديدة تضرب هذه المعادلة في مكان حساس. لهذا فالمعركة الحقيقية ليست في ذباب وحدها، ولا حتى في تعز. المعركة الحقيقية ستكون على شبكة الحوثي. الصواريخ يمكن تعويض بعضها، والمقاتلون يمكن تجنيد غيرهم، والجبل يمكن الدفاع عنه سنوات.

الأصعب تعويض منظومة كاملة من التمويل والتهريب والخبراء والاتصالات والغطاء السياسي. إذا تعرضت هذه الشبكة لضغط متزامن من البحر والجو والحدود والداخل اليمني، فقد يكتشف الحوثي أن الترسانة التي جعلته لاعبًا إقليميًا تحولت إلى عبء يحتاج إلى سلسلة إمداد أكبر مما يستطيع الحفاظ عليه.

هنا توجد فرصة يمنية تاريخية، وفي الوقت نفسه يوجد الخطر الأكبر. هزيمة الحوثي عسكريًا لا تعني تلقائيًا ولادة دولة يمنية. اليمن دفع ثمنًا هائلًا للحرب؛ البنك الدولي يقدّر أن الناتج المحلي الحقيقي للفرد انكمش بنحو 58 في المئة خلال عقد، وأن أكثر من ثلاثة أرباع السكان يعيشون تحت خط الفقر.

ومع تجدد القتال، أعلنت منظمة الصحة العالمية نزوح أكثر من 122 ألف شخص خلال التصعيد الأخير، وسجلت آلاف الإصابات ومئات الوفيات خلال أسابيع قليلة. لذلك فإن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه القوى المناهضة للحوثي هو أن تنتصر في الجبهة وتخسر اليوم التالي. الفراغ لا يهزم الميليشيا. الدولة هي التي تهزمها. إذا دخلت القوات الحكومية المناطق التي تنسحب منها الجماعة ولم يدخل معها راتب الموظف والشرطة والقضاء والكهرباء والمستشفى والمدرسة، فسوف يبقى الحوثي قادرًا على القول لليمني إن البديل عنه مجرد رايات متعددة تتنافس على الأرض. أما إذا تبعت المعركة العسكرية دولة تعمل، فسيتغير الصراع من منافسة على القوة إلى مقارنة بين نموذجين للحياة.

وهنا تحديدًا يمكن أن يبدأ فجر اليمن. قد تكون الحرب الأخيرة مختلفة. ليس لأن الحوثي أصبح ضعيفًا فجأة، وإنما لأنه اقترب من الخط الذي تتحول عنده القوة إلى إفراط في القوة.

حاول أن يجعل من باب المندب ورقة تفاوض، فذكّر العالم بأن استقرار اليمن مصلحة دولية. حاول توسيع الحرب خارج حدوده، فوسّع في المقابل دائرة الدول التي أصبح أمنها مرتبطًا بما يحدث داخله. وإذا استطاع اليمنيون تحويل اللحظة العسكرية الحالية إلى مشروع دولة، فقد يكتشف الحوثي متأخرًا أن أخطر معركة خاضها لم تكن تلك التي خسر فيها موقعًا أو جبلًا. كانت اللحظة التي جعل فيها العالم يرى أن وجود دولة يمنية مستقرة أقل كلفة من استمرار جماعة مسلحة تتحكم ببوابة البحر الأحمر.

عندها لن يكون غروب الحوثي انتصار جيش على جماعة فقط. سيكون نهاية الفكرة التي أقنعت اليمنيين طوال عقد بأن الميليشيا قدر، وأن الدولة حلم بعيد. ومن خلف هذا الغروب، قد يبدأ أخيرًا فجر اليمن.