من هذا المنطلق تأتي توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، بالاستجابة لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي بشأن تصحيح أوضاع جميع الموجودين في المملكة بطرق غير نظامية من أبناء الجنسية اليمنية، لتشكل موقفاً أخوياً وإنسانياً عميق الدلالة، يحمل في مضمونه أبعاداً شرعية وقانونية واجتماعية، ويؤكد المكانة الخاصة التي يحتلها اليمن وشعبه لدى قيادة المملكة وشعبها. وقد أعلنت وزارة الداخلية بدء إجراءات التصحيح، موضحة أن الاستفادة منها تتطلب وجود جواز سفر يمني، وأن ضوابط وإجراءات البدء ستعلن عبر الجهات الرسمية المختصة.
هذه المبادرة الكريمة التي تكررت أكثر من مرة لصالح أبناء الشعب اليمني لا ينبغي النظر إليها باعتبارها إجراءً إدارياً مجرداً يرتبط بتنظيم الإقامة فحسب، بل بوصفها تعبيراً عن رؤية قيادية تدرك أن وراء كل وضع غير نظامي قصة إنسان وأسرة وظروفاً قد تكون استثنائية، وأن حسن إدارة هذه الأوضاع يقتضي الجمع بين هيبة النظام ورحمة الدولة، وبين حماية المصالح العامة ومراعاة الظروف الإنسانية للأفراد.
وينسجم هذا التوجه الراقي مع المقاصد العامة للشريعة الإسلامية التي قامت في جوهرها على تحقيق مصالح الناس، وحفظ الضرورات، ورفع الحرج، وإقامة العدل، وإشاعة الرحمة والتكافل. فقد قرر الفقه الإسلامي جملة من القواعد الكبرى التي تعكس مرونة الشريعة وقدرتها على التعامل مع الظروف المختلفة، وفي مقدمتها قاعدة (المشقة تجلب التيسير)، وما يتصل بها من قواعد رفع الحرج ودفع الضرر ومراعاة أحوال الناس، متى كان ذلك في إطار المصلحة المشروعة ودون إهدار للحقوق أو المصالح العامة.
وحين يمر شعب شقيق بظروف سياسية وأمنية واقتصادية صعبة، فإن السياسة الشرعية الرشيدة لا تقف عند حدود القراءة الشكلية للأوضاع، وإنما تنظر كذلك إلى أسبابها وآثارها وسبل معالجتها بما يحقق المصلحة ويدفع الضرر. ومن هنا تتجلى القيمة الإنسانية لهذه المبادرة في فتح باب التصحيح أمام الإنسان اليمني، بما يساعده على الانتقال من وضع غير نظامي إلى وضع تحكمه القواعد والأنظمة، ويحفظ في الوقت نفسه كرامته ويمنحه فرصة أكبر للاستقرار وترتيب شؤون حياته.
الرحمة في التشريع الإسلامي ليست نقيضاً للعدل، كما أن التيسير ليس انتقاصاً من هيبة النظام. بل إن قوة الدولة تتجلى في قدرتها على تطبيق أنظمتها بعدالة وحكمة، وفي قدرتها كذلك على إيجاد الحلول المنظمة للظروف الاستثنائية من دون إخلال بالمصلحة العامة. ولذلك فإن تصحيح الأوضاع يمثل صورة عملية من صور التوازن بين حقوق الدولة وحقوق الإنسان، وبين مقتضيات التنظيم واعتبارات الأخوة والرحمة.
وفي الجانب القانوني، المبادرة تقدم نموذجاً واضحاً في معالجة الأوضاع غير النظامية من خلال إدخالها في الإطار النظامي المنظم.
فالدولة، بحكم سيادتها، تملك تنظيم الدخول والإقامة والعمل على إقليمها وفق أنظمتها، كما أن معالجة المخالفات من خلال مسارات تصحيحية منظمة لا تتعارض مع مبدأ سيادة القانون، بل تؤكد فاعليته؛ لأن الغاية النهائية من التنظيم ليست إبقاء الإنسان خارج الإطار النظامي، وإنما تمكينه، متى انطبقت عليه الشروط، من العودة إلى ذلك الإطار والالتزام بأحكامه وضوابطه.
القانون في فلسفته الحديثة ليس لإيقاع العقوبات فحسب، وإنما هو قبل ذلك أداة لتنظيم المجتمع وتحقيق الاستقرار وحماية الحقوق والمصالح. وعندما تفتح الدولة طريقاً نظامياً لتسوية أوضاع فئة فرضت عليها الظروف واقعاً استثنائياً، فإنها تؤكد أن سيادة القانون يمكن أن تجتمع مع العدالة الإنسانية، وأن قوة النظام لا تقاس بصرامة الجزاء وحدها، وإنما بقدرته على معالجة الواقع وتحقيق الغاية الاجتماعية التي وُضع من أجلها.
من شأن تصحيح الأوضاع أن يحقق مصلحة متبادلة للدولة وللمستفيدين من المبادرة. فهو يسهم في وضوح المراكز النظامية للأفراد، ويعزز القدرة على تنظيم شؤون الإقامة والعمل، ويوفر بيئة أكثر استقراراً للأسر، ويحد من الآثار السلبية التي قد تنتج عن البقاء خارج الأطر النظامية. وبذلك يتضح أن البعد الإنساني في القرار لا ينفصل عن الأبعاد القانونية والأمنية والاجتماعية، بل يكملها ويعززها.
ويبرز البعد الإنساني للمكرمة الملكية النخبوية بصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى ما يعنيه الوضع غير النظامي بالنسبة للفرد والأسرة. فالإنسان الذي يفتقد الاستقرار النظامي قد يعيش قلقاً دائماً تجاه مستقبله ومستقبل أسرته، وقد تترتب على ذلك انعكاسات اجتماعية ونفسية واقتصادية متعددة. ومن هنا فإن فتح نافذة للتصحيح لا يعني تعديل وثيقة أو مركز قانوني فحسب، بل يعني قبل ذلك منح الإنسان مساحة أوسع من الطمأنينة، وتمكينه من ترتيب حياته ومستقبله في إطار واضح ومستقر.
وتتضاعف أهمية هذه المعاني عندما يتعلق الأمر بالشعب اليمني الشقيق الذي تربطه بالمملكة العربية السعودية روابط لا تختصرها الحدود الجغرافية. فبين البلدين وشعبيهما امتداد تاريخي واجتماعي وأخوي عميق، ولهذا ظلت قضايا اليمن تحظى بمكانة مهمة في مواقف المملكة وسياساتها. ومن ثم تأتي هذه المكرمة امتداداً لهذا الشعور بالمسؤولية الأخوية تجاه الإنسان اليمني، وإقراراً بأن معالجة آثار الأزمات ينبغي أن تضع الإنسان اليمني المحترم في قلب المعادلة، وأن تراعي الظروف التي ألقت بآثارها عليه وعلى أسرته وشؤونه الحياتية.
كما تحمل المبادرة دلالة سياسية وقانونية بالغة الأهمية، لكونها جاءت استجابة لطلب صادر عن القيادة اليمنية، بما يجسد روح التعاون والتنسيق بين المملكة والقيادة اليمنية الشرعية في معالجة القضايا المرتبطة بالمواطن اليمني. وهذا التنسيق لا يقتصر أثره على تسوية أوضاع الأفراد، بل يعزز مفهوم العلاقة المؤسسية بين الدولتين، ويوضح أن معالجة القضايا الإنسانية يمكن أن تكون في الوقت نفسه جسراً لترسيخ التعاون والثقة والمصالح المشتركة.
البعد الأعمق الآخر الذي يظهر لي ولا يقل أهمية ،يتمثل في الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية الإيجابية لتصحيح الأوضاع. فالإنسان المستقر نظامياً يكون أكثر قدرة على العمل والإنتاج والوفاء بالتزاماته، وأكثر قدرة على إعالة أسرته وبناء مستقبلها.
اليمنيون في المملكة يمثلون شريحة ذات امتدادات أسرية واجتماعية واسعة داخل اليمن، ولذلك فاستقرار أوضاعهم يمكن أن يمتد أثره الإنساني والاجتماعي إلى عائلاتهم وذويهم، بما يخفف جانباً من آثار الظروف الصعبة التي مر بها وطنهم.
وهنا تبرز سمة أساسية في النهج السعودي، وهي أن حماية النظام العام لا تتعارض مع مراعاة البعد الإنساني، بل إن الاستقرار المجتمعي الحقيقي يقوم على التوازن بينهما. فحين يكون الإنسان معروف المركز النظامي، قادراً على العمل والحياة في إطار واضح، تتحقق مصلحة الدولة والمجتمع والفرد معاً، وتتحول المعالجة الإنسانية من مجرد استثناء مؤقت إلى وسيلة لإعادة تنظيم الواقع وفق قواعد أكثر استقراراً.
تكشف هذه المكرمة كذلك عن معنى أوسع من مجرد تصحيح وضع نظامي، وهو الوفاء للأخوة التاريخية السعودية اليمنية. فاليمن بالنسبة للمملكة ليس رقعة جغرافية مجاورة فحسب، وإنما هو عمق عربي وإسلامي وإنساني، واستقراره وأمنه ووحدته عناصر بالغة الأهمية في أمن المنطقة واستقرارها. ولذلك فإن كل مبادرة تحفظ كرامة اليمني، وتعينه على تجاوز آثار الظروف الصعبة، تحمل في جوهرها رسالة بأن المملكة تقف مع الإنسان اليمني، وتتطلع إلى اليوم الذي يستعيد فيه وطنه أمنه واستقراره وازدهاره.
إن مستقبل اليمن لا يمكن أن يُبنى إلا على قاعدة الدولة والاستقرار وسيادة القانون والتلاحم الوطني، ولا يمكن لأرض الحكمة أن تستعيد مكانتها التاريخية كاملة إلا حين تتغلب روح الانتماء لليمن على عوامل الفرقة والانقسام. وهنا يلتقي البعد الإنساني لهذه المكرمة مع الأمل السياسي الأكبر في يمن آمن ومستقر وموحد، يعود أبناؤه للمشاركة في بناء دولتهم وتنميتها، وتعود طاقاتهم وخبراتهم رافداً لازدهار وطنهم.
وفي الختام،هذه المكرمة الملكية الكريمة ليست مجرد معالجة نظامية أو استجابة إنسانية عابرة، بل هي امتداد لنهج سعودي مستدام راسخ يؤمن بأهمية أمن اليمن واستقراره ووحدته، وبأن اليمن القوي بدولته الموحدة، المتماسك بأبنائه، المستقر في مؤسساته، يمثل عنصراً مهماً في أمن المنطقة واستقرارها. ومن هنا تتجلى أهمية الوقوف إلى جانب اليمن بما يحفظ أرضه وإنسانه ومؤسساته، ويصون وحدته الوطنية، ويفتح أمام شعبه أبواب المستقبل بعيداً عن كل ما يقود إلى الفرقة أو الانقسام.
اليمن الذي عرفته ذاكرة العرب عبر العصور أرضاً للحضارة والإيمان والحكمة، جدير بأن يستعيد صورته المشرقة، وأن تتجاوز إرادة أبنائه جراح الحاضر نحو مستقبل يجمع ولا يفرق، ويبني ولا يهدم. وحين يستعيد اليمن وحدته وأمنه واستقراره، نستطيع أن نرى من جديد اليمن الموحَّد السعيد، وتعود الحكمة اليمانية صوتاً للعقل والسلام والبناء.
ويبقى الأمل كبيراً أن تظل المملكة العربية السعودية سنداً صادقاً لكل ما يعيد إلى العرب و اليمن أمنه ووحدته وازدهاره، ويحفظ لشعبه كرامته ومستقبله ومكانته بين الشعوب.