دفاع السعوديين عن وطنهم في منصات التواصل الاجتماعي موقف نعتز به، وتعبير طبيعي عن انتماء راسخ يظهر كلما تعرضت المملكة لاعتداء أو إساءة. ومن حق المواطن أن يدافع عن أمن بلاده، ويفند الأكاذيب التي تستهدفها، ويعبر عن ثقته بقيادته وقواته المسلحة. ولهذا الحضور قيمته في مواجهة محاولات التضليل، خصوصا حين يقدم الحقيقة بوضوح، ويصل بها إلى جمهور تتزاحم أمامه الأخبار والادعاءات.

في ظل اعتداءات ميليشيا الحوثي الإرهابية، وما يصاحبها من دعاية كاذبة، أرى أن هذا الحضور الوطني يستحق أن نعززه بالوعي بطريقة عمل الإعلام. فالمحتوى الذي نواجهه قد يستهدف إثارة الخوف، أو استفزاز المشاعر، أو إشغال الناس بادعاءات متلاحقة. وفهم هذه الأغراض يساعدنا على اختيار الرد الذي يخدم موقفنا، ويحرم الدعاية من تحقيق ما تسعى إليه.

وما يستحق الانتباه أن المحتوى المضلل يجيد استغلال المشاعر الصادقة. فقد تصل إلى المواطن معلومة صيغت لتبدو مؤيدة لوطنه، فيتداولها مطمئنا إلى مضمونها، بينما مصدرها مجهول أو تفاصيلها غير دقيقة. وقد تنتشر صورة تحت عنوان جديد، أو ينسب تصريح إلى مسؤول دون أصل يمكن الرجوع إليه.


وأعتقد أن الأخبار التي ترضي عاطفتنا تحتاج إلى القدر نفسة من التدقيق التي نمنحها للأخبار التي نميل لرفضها. فالتساهل مع رقم غير موثق أو خبر نتمناه يمنح المتربص فرصة لاستغلال الخطأ، وقد يصرف النقاش عن الحقائق إلى الدفاع عن معلومة لم يكن ينبغي اعتمادها أصلا. ولدينا من الثقة بوطننا ومؤسساته ما يجعل انتظار المعلومة الصحيحة أمر طبيعي، ومن الوقائع ما يغنينا عن استعجال النتائج التي لم تعلن.

إدارة المواجهة الإعلامية أوسع من التدقيق والتثبت. فالرد الذي يترك أثر يبدأ من تقدير الادعاء وحجم انتشاره والجمهور الذي وصل إليه. فثمة أكاذيب تحتاج إلى تفنيد مباشر، خصوصا حين تشوه حقيقة واضحة، وثمة استفزازات محدودة يكون تجاهلها أبلغ من الرد عليها، حتى لا نمنح أصحابها انتشار أوسع. وهذا التقدير جزء من قوة المواجهة، لأنه يجعلنا نختار موضوع الرد وتوقيته وصيغته، بدلا من ترك الحساب المعادي يحددها لنا.

كثافة الرد ليست دليلا على قوته. فنشر المعلومة الرسمية الصحيحة مرة واحدة، بصياغة واضحة، قد يكون أبلغ من عشرات الردود. فهذه الردود كثير ما تعيد تدوير الادعاء المعادي وتوسع انتشاره دون أن تقصد. وهنا تهم طريقة عرض الحقيقة فاقتباس المنشور المضلل قد يكون مفيدا إذا اقترن بتفنيد موثق، لكنه قد يعيد نشر الادعاء منفصلا عن الرد. والأجدى أن نقدم المعلومة الصحيحة في مقدمة المنشور، ونحدد موضع التضليل بعبارة واضحة، دون إعادة بث مقطع دعائي طويل بما يتضمنه من تهديدات وأكاذيب، حتى يبقى التصحيح هو ما يعلق في الأذهان.

ويزيد الأمر تعقيداً أن الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح قادرا على إنتاج صور ومقاطع وأصوات يصعب أحيانا تمييزها من الحقيقي. فالمشهد الذي يثير غضبنا أو اعتزازنا قد يدفعنا إلى مشاركته قبل التحقق من أصله وسياقه، وتبقى معرفة المصدر والسياق أساس الحكم على المحتوى، مهما بلغت جودة صورته.

أما الإعلام المهني، فعليه مسؤولية أكبر في تقديم هذا الوضوح. فما تبثه ميليشيا الحوثي الإرهابية يجب أن تعرض باعتبارها ادعاءات، مع بيان ما ثبت بشأنها، وتجنب العناوين التي قد يفهم منها تحقق مضمونها. ومن حق الجمهور أن يعرف ما تأكد ولا يزال قيد التحقيق، من دون تهويل أو استنتاج يسبق ما يتم تأكده.

ويمتد ذلك إلى أصحاب الحسابات المؤثرة، الذين تمنحهم ثقة متابعيهم قدرة على إيصال الحقيقة إلى جمهور أوسع. وهي ثقة تتراكم حين يعرف المتابع أن صاحب الحساب يراجع ما ينشره، ويبادر إلى التصحيح إذا أخطأ.

من المهم أيضا أن نحافظ في خطابنا على التمييز بين ميليشيا الحوثي الإرهابية والشعب اليمني. فوضوح المسؤولية عن الاعتداءات يمنع الدعاية من خلط المواقف، ويحفظ لخطابنا دقته وعدالته. وكلما كان تعبيرنا أكثر تحديدا، أصبح أقدر على كشف المعتدي وتفنيد مزاعمه.

نعتز بدفاع السعوديين عن وطنهم، ونرى في حضورهم الواعي قوة تستحق الدعم. ومساندة هذا الحضور تبدأ بالمعلومة الموثوقة التي يستند إليها، وتكتمل حين نفهم جميعا كيف يعمل التضليل وكيف نواجهه. فحين ندافع عن المملكة بحقيقة ثابتة وحجة واضحة، نمنح صوتنا أثره الذي نريده، ونحفظ ثقة من يسمعنا، ونضيق المساحة التي تتحرك فيها الشائعة.