ما أقسى الجحود حين يُقابَل الإحسان بالنكران، ما أشدّ مرارة أن ترى وطنًا يمدّ يده لا ليأخذ، بل ليمنح؛ ويفتح أبوابه لا طمعًا في غنيمة، بل إيمانًا بأن الإنسان، أيًّا كان موطنه أو انتماؤه، يستحق أن تُصان كرامته، وأن يجد في هذه الأرض فسحةً من أمن، ونفحةً من رحمة، وفرصةً لحياةٍ أكثر استقرارًا وطمأنينة.

جعلت قيادتنا من وطننا واحةً للآمنين، وملاذًا للمحتاجين، ومرفأً لمن عصفت بهم الأزمات، فاحتضنت أرضه أناسًا من مشارب شتّى، وفتحت لهم أبواب الإقامة الكريمة، وأتاحت لهم فرص العمل، ووفّرت لهم سبل العلاج والتعليم، وقدّمت لهم من الرعاية والعناية ما لا تقدّمه إلا الدول التي تؤمن بأن العطاء قيمة، وأن الرحمة مسؤولية، وأن كرامة الإنسان ليست منّةً تُمنح، بل مبدأٌ يُصان.

لم يكن ذلك العطاء نزوة عابرة، ولا موقفًا عاطفيًا مؤقتًا، بل كان امتدادًا لنهجٍ راسخ، وثقافةٍ أصيلة، ورؤيةٍ إنسانية ترى في الوطن بيتًا واسعًا يتّسع لمن لجأ إليه، وتؤمن بأن الخير لا يفقد قيمته حين يُمنح للآخرين، بل يزداد نورًا واتساعًا وأثرًا.


غير أنّ المؤلم، أن يقابل بعضُ من نالوا هذا الخير بالإساءة إلى بلدنا والطعن في قيادته، والتطاول على رموزه، وبثّ خطاب الكراهية، وممارسة التحريض، والانخراط في التآمر؛ وكأنّ أبواب الكرم التي فُتحت لهم لم تُفتح قط، وكأنّ الأيدي التي امتدّت لإنقاذهم لم تمتدّ، وكأنّ سنوات الرعاية والاحتضان قد مُحيت من ذاكرتهم كما يُمحى أثر المطر عن صخرةٍ صمّاء!

أيّ جحودٍ هذا الذي يجعل الإنسان ينسى موطن الأمان حين يستقر، وينكر فضل المكان حين يطمئن، ويقابل اليد التي أطعمته وسقته وآوته بيدٍ أخرى تحمل الأذى والعداء؟ وأيّ قسوةٍ تلك التي تدفع المرء إلى أن يعضّ اليد التي امتدّت إليه،ثم يتباهى بعضّه، وكأنّ الوفاء ضعف، وكأنّ الاعتراف بالجميل عار، وكأنّ الخيانة بطولة!

لا نطلب من أحدٍ أن يبيع ضميره، ولا أن يتخلّى عن رأيه، ولا أن يصفّق لما لا يؤمن به؛ فاختلاف الرأي حق، والنقد المسؤول سبيلٌ إلى الإصلاح والنصيحة الصادقة لا تُعدّ إساءة.

لكنّنا نرفض أن يتحوّل الاختلاف إلى كراهية، والنقد إلى تشويه، والحرية إلى فوضى، والامتنان إلى نكران، والإحسان إلى ذريعةٍ للطعن والتآمر.

لا نطلب من أحدٍ جزاءً على إحساننا، ولكننا نرفض أن يتحوّل الإحسان إلى بابٍ يُدخل منه الأذى، وأن يُقابَل الكرم بالجحود، والوفاء بالغدر، والأمن بالتحريض، والاحتضان بالإساءة!

علّمنا الوطن وقيادته أن العطاء لا يكون مشروطًا، وأن الخير لا يُقاس بما يعود على صاحبه من منفعة، وأن اليد العليا لا تنتظر من اليد السفلى تصفيقًا ولا ثناءً.

لكنّ ذلك لا يعني أن يصبح التسامح سذاجة، ولا أن يتحوّل الكرم إلى غفلة، ولا أن يُساء فهم الحلم حتى يُظنّ أنّه عجز، أو يُفسَّر الصبر على أنّه ضعف.

وما أصدق المثل العربي: «اتّقِ شرّ من أحسنتَ إليه»؛ وإن كان لا ينطبق على الجميع، فإن بعض المواقف تستدعيه بكل ما فيه من أسى ومرارة. فليس كل من دخل بيتك حفظ حرمته، ولا كل من احتمى بظلك عرف قدر النعمة، ولا كل من شرب من مائك تذكّر أنّ لك فضلًا عليه •الجحود، مهما علا صوته، لا يستطيع أن يطمس الحقيقة، ولا أن يغيّر صفحات التاريخ، ولا أن يمحو آثار المعروف من ذاكرة المنصفين.

سيبقى وطننا، بعزّة قيادته، ووعي شعبه، وثبات مؤسساته، أكبر من حملات الإساءة، وأقوى من أبواق التحريض، وأسمى من أن ينال منه جاحد أو يزعزع أمنه حاقد. ستظلّ أرضه، بإذن الله، شامخةً كجبالها، واسعةً كأفقها، كريمةً كأهلها،تعرف كيف تمنح، وكيف تصبر، وكيف تحمي حدودها وكرامتها حين يتجاوز المتجاوزون.

ولن يضرّ الوطن أن يسيء إليه من عاش في خيره، كما لا يضرّ الشمس أن ينكر أحدٌ ضوءها؛ فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، والفضل لا يحتاج إلى شهادة ناكر، والتاريخ لا يكتب بأقلام الحاقدين، بل بما تتركه الأوطان من أثرٍ في حياة الناس، وما تبنيه من أمنٍ واستقرار، وما تقدّمه من مواقف تُروى حين تنسى الألسن كثيرًا من الكلام•

الوطن الذي أعطى كثيرًا، سيبقى عزيزًا كريمًا؛ لا تهزّه إساءة، ولا تطفئ نوره خيانة، ولا تنال من مجده أصوات الجاحدين !