نعيش في عصر يبدو فيه الوقت أقصر من أن يتسع لأعمالنا، والعالم أسرع من قدرتنا على ملاحقته. تتوالى الأحداث والإشعارات والصور والمعلومات، حتى باتت لحظات الهدوء تبدو استثناءً في يوم مزدحم بالمحفزات. وفي قلب هذا المشهد، يحتل الهاتف المحمول مساحة متزايدة من انتباهنا، فننتقل من تطبيق إلى آخر، ومن رسالة إلى مقطع، ومن خبر إلى صورة، كأننا نخشى أن تفوتنا لحظة من عالم لا يتوقف عن الحركة.

لكن ماذا لو كان هذا السعي الدائم وراء الجديد هو ما يجعلنا نفقد الإحساس بالحاضر؟ وماذا لو استطعنا استعادة جزء من حياتنا بمجرد أن نتعلم كيف نسترد انتباهنا؟ في كتابها «كيف تمنع الشبكات من الإمساك بك»، تدعو الخبيرة التقنية لورا بيلتران إلى إعادة النظر في علاقتنا بالتكنولوجيا، لا من خلال الدعوة إلى هجرها، بل عبر استعادة السيطرة على الطريقة التي نستخدمها بها. فالمسألة لا تتعلق بعدد الساعات التي نقضيها أمام الشاشات فحسب، وإنما بما تفعله تلك الساعات بقدرتنا على التركيز، وبعلاقتنا بأنفسنا وبالآخرين. وتشير تقديرات إلى أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة من عمره متصلًا بالإنترنت؛ وهو رقم يدعونا إلى التساؤل عما إذا كنا نستخدم التكنولوجيا لتوسيع حياتنا، أم أننا نمنحها حياتنا شيئًا فشيئًا. فنحن نعيش أحيانًا داخل عاداتنا إلى درجة تعجز معها أعيننا عن رؤيتها. ومع ذلك، ليس من الدقة أن نحمل الهاتف المحمول وحده مسؤولية تشتت الإنسان المعاصر.

التكنولوجيا جزء من منظومة أوسع تشمل ضغوط العمل، واضطراب النوم، وسرعة الإيقاع اليومي، والقلق المستمر، والعادات الغذائية، وضيق الوقت المخصص للراحة. كل هذه العوامل تتفاعل لتنتج شعورًا دائمًا بالاستعجال والتعب، ويأتي الهاتف ليضاعف أثرها، فاتحًا أمامنا أبوابًا لا تنتهي من المشتتات. إنه ليس دائمًا أصل المشكلة، لكنه قد يكون الوسيلة التي تتجمع عبرها مشكلات كثيرة، حتى يصبح الهروب إليه عادة نلجأ إليها كلما شعرنا بالملل أو القلق أو الفراغ.


وتكشف علاقتنا بالتكنولوجيا عن مشكلة أعمق من مجرد الإفراط في استخدام الأجهزة: لقد أصبحنا أحيانًا عاجزين عن الاستمتاع حتى بالأشياء التي يفترض أن تمنحنا الراحة. تروي بيلتران حكاية طفل يشعر بالتوتر وهو يأكل المثلجات، لأن الآيس كريم يذوب قبل أن ينتهي منه. في موقف بسيط كهذا، يتحول الاستمتاع إلى سباق مع الوقت، وتصبح اللحظة الجميلة مصدرًا للقلق بدلًا من أن تكون فرصة للمتعة.

ولعل هذا المشهد يلخص شيئًا من حالنا؛ فنحن لا نكتفي أحيانًا بإفساد اللحظات الصعبة بالتفكير المفرط، بل نحمّل اللحظات السعيدة أيضًا عبء الخوف من انتهائها أو عدم استثمارها كما ينبغي. ولا يعني ذلك أن نتظاهر بأن الحياة خالية من المشكلات، أو أن نغلف كل شيء بتفاؤل مصطنع. المقصود هو أن نراجع الطريقة التي نفسر بها ما يحدث لنا، وأن ندرك كيف يمكن للفكرة أن تتضخم حتى تتحول إلى مصدر للقلق يفوق حجم المشكلة نفسها. فبين الحدث ورد فعلنا تجاهه مساحة من الوعي يمكننا تعلم استخدامها، بدلًا من الاستسلام التلقائي لكل ما يمر بأذهاننا.

من هنا تبدأ الخطوة الأولى نحو تغيير علاقتنا بالهاتف: استعادة الانتباه. تقترح بيلتران أن نتوقف لحظة قبل فتح أحد التطبيقات، وأن نسأل أنفسنا: هل أريد حقًا أن أفعل هذا؟ ما الذي يدفعني إلى الإمساك بالهاتف الآن؟ هل أبحث عن معلومة أحتاج إليها، أم أهرب من شعور لا أرغب في مواجهته؟ وهل سيمنحني ما سأفعله متعة حقيقية، أم سيستهلك وقتي من دون أن يضيف إلى حياتي شيئًا؟

قد تبدو هذه الأسئلة بسيطة، لكنها تعيد إلينا شيئًا أساسيًا: القدرة على الاختيار بدلًا من الانقياد.

ولهذا، فحذف تطبيق أو تحديد مدة للاستخدام قد يساعد، لكنه لن يكون كافيًا إذا لم نفهم الأسباب التي تدفعنا إلى العودة. وإذا عالجنا السلوك الظاهر وأهملنا الدافع الذي يقف وراءه، فلن نكون قد تجاوزنا المشكلة، بل اكتفينا بتغيير شكلها. يشبه الأمر معالجة ألم الكسر بالمسكنات من دون تثبيت العظم؛ قد نشعر بتحسن مؤقت، لكن السبب الأساسي يظل قائمًا. إن معرفة الذات هي التي تمنح التغيير معناه، لأنها تساعد كل شخص على اكتشاف حاجته الحقيقية وبناء قواعد تناسب ظروفه، بدلًا من تقليد وصفات جاهزة لا تصلح للجميع.

العلاقة الصحية بالتكنولوجيا لا تعني رفضها أو الانقطاع عنها، وإنما أن نستخدمها بوعي، وأن نعرف متى نحتاج إليها ومتى ينبغي أن نضعها جانبًا. في النهاية، ربما لا تكمن المشكلة في أن رؤوسنا صارت في الغيوم، بل في أننا نسينا كيف نعيد أقدامنا إلى الأرض. فبين إشعار وآخر، وبين تمريرة وأخرى على الشاشة، قد تمر لحظات من حياتنا لا يمكن استعادتها، وقد نفقد تفاصيل صغيرة لا تتكرر:

حديثًا صادقًا، أو كتابًا يستحق التأمل، أو وجهًا ينتظر منا أن نصغي إليه، أو حتى لحظة صمت نسمع فيها أنفسنا.

أعظم ما يمكن أن نستعيده ليس ساعة إضافية في اليوم، بل حريتنا في أن نقرر أين نضع انتباهنا. فالوقت الذي لا نملكه ليس وقتًا ضائعًا فحسب، وإنما جزء من حياتنا لم نعشه بكامل حضورنا. وحين يصبح انتباهنا ملكًا لنا، لا ملكًا لما تتنافس الشاشات على انتزاعه منا، نستعيد حقًا بسيطًا لكنه ثمين: أن نكون حيث نحن، وأن نعيش اللحظة التي بين أيدينا، بدلًا من أن نقضي أعمارنا نطارد لحظة أخرى على شاشة لا تنتهي.