قد يتشابه خطابان في مفرداتهما، ثم يفترقان في العالم الذي يريد كل منهما صنعه، وقد تفتح حادثة الطريق أمام تيار لم يكن شريكًا في مشروع أصحابها، ومن هنا تبدأ صعوبة قراءة الصلات بين الجماعات؛ فالتعاقب الزمني يوحي بالاستمرار، وتشابه اللغة يغري بإثبات النسب، بينما يحتاج التاريخ إلى سؤال أدق: ما الذي انتقل فعلًا، وكيف انتقل، وما الذي نشأ من اشتراك في المرجعيات أو استفادة من ظرف أحدثه الآخرون؟

يقودني كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» للدكتورة لطيفة الشعلان إلى إعادة النظر في القول إن جهيمان ألهم الصحوة والتيارات الجهادية اللاحقة، وتمنحني قراءتها النفسية مدخلًا لفحص هذا القول من جهة خصوصية مشروعه، وهذه مناقشة أستخلص أسئلتها من الكتاب وأتوسع بها خارجه، مستفيدًا من قدرته على إظهار الفروق التي تحجبها التصنيفات العامة، وعلى رد الفعل إلى المعنى الذي اكتسبه لدى صاحبه.

يكمن أحد أهم هذه الفروق في موقع الإنسان من الزمن الأخروي؛ فالاعتقاد بالعيش في آخر الزمان يترك مجالًا واسعًا لتصور المستقبل والعمل فيه، أما الاعتقاد بأن النبوءة قد تعينت أشخاصها وأحداثها، وأن صاحبها مطالب بالمشاركة في إنفاذها، فهذا يحول المستقبل إلى مهمة حاضرة، وقد رأى جهيمان في محمد بن عبدالله القحطاني المهدي المنتظر، فأصبح التأويل في وعيه مرتبطًا بشخص وبيعة ومكان وفعل، وباتت الجماعة ترى نفسها داخل الحدث الذي كانت تقرؤه.


ويمكن وصف الموقع الذي تخيله جهيمان لنفسه بأنه «نهاية النهاية»، حينما غدت العلامات في تصوره وقائع تتتابع أمامه، وأصبح عليه أن ينهض بالدور الذي يعتقد أنه يحققها، وتكشف لطيفة الشعلان أهمية الانتقال من انتظار الأشراط إلى إرادة تعجيلها، فيلتقي المعنى الكوني الذي يفسر به العالم بالمعنى الشخصي الذي يمنح حياته مهمة فيه، ومن هذا الالتقاء نستطيع فهم خصوصية المشروع الذي انتهى إلى اقتحام الحرم.

وتظهر حدود تعميم هذا المشروع داخل الجماعة التي خرج منها جهيمان نفسها؛ فقد أدى تعيين المهدي إلى مفارقة بعض أتباعه له، ومن ذلك خروج ناصر الحزيمي وغيره ضمن الرافضين للمسار المهدوي، وهذا شاهد له دلالته؛ فالاشتراك في البيئة والقراءات والصحبة لم يمنع الافتراق عند تحديد المهمة، ومن ثم يصبح إدراج «الجماعة السلفية المحتسبة» كلها في المشروع الذي نفذه جهيمان إغفالًا للحظة انقسامها.

وعندما نتجه إلى الصحوة، ينبغي أن نفصل بين تاريخ تكوينها وتاريخ اتساع نفوذها؛ فجذورها بدأت في تفاعل الحضور الإخواني الوافد مع البيئة الدينية المحلية خلال عقدين سابقين -على الأقل- للاقتحام، ولذلك لا يستقيم جعل حادثة جهيمان نقطة ميلادها، بينما يظل أثر الحادثة في الظروف التي ساعدت على صعودها سؤالًا مستقلًا، فالحركة قد تكون موجودة قبل الحدث، ثم تتسع فرصها بفعل ما أحدثه من تغير في الأولويات والاستجابات.

وهنا يقع جوهر قراءتي لأثر جهيمان في الصحوة؛ البحث فيما أتاحته الاستجابات للصدمة من مجال للمناشط الدينية، وكيف استطاعت التيارات الحركية استثمار هذا المجال في توسيع حضورها، فبين انتشار مشروع الفاعل واستفادة الآخرين من نتائج فعله مسافة ينبغي حفظها، وقد تفضي مواجهة جماعة مسلحة إلى تعزيز قوى يرجى منها احتواء الاندفاع، ثم يتحول ما اكتسبته من ثقة ومساحة عمل إلى مورد لنفوذها الخاص، وهذه آلية تاريخية يلزم تتبع شواهدها وقراراتها ومؤسساتها.

كما ينبغي التمييز بين الانفعال المؤقت بحدث مذهل وبين تبني مشروعه؛ فحتى حين تثبت شهادة تأثر شخص بالمزاعم المهدوية في لحظة الاضطراب، يبقى علينا أن نسأل عن مدة ذلك التأثر وما أعقبه، وعن مسار المراجعة ودور العلماء والمربين فيه، فدهشة اللحظة لا تختصر سيرة صاحبها، واحتواء اندفاعه المهدوي لا يعني بالضرورة مراجعة سائر الأفكار التي يحملها، ولكل تحول موضوعه وحدوده وأدلته.

أما الصلة بالجهادية اللاحقة فتحتاج إلى فحص أكثر تفصيلًا؛ إذ تعرض دراسة هيغهامر ولاكروا اتصال أبي محمد المقدسي بأوساط من الجماعة بعد الاقتحام، وإعجابه بجهيمان، مع اختلافه معها في مسائل جوهرية، وهذه قرينة تمنع النفي المطلق للتلقي، لكنها تفتح السؤال عن مضمونه وحدوده: ما الذي احتُفظ به، وما الذي رُفض، وكيف أُعيد توظيفه داخل مشروع آخر؟ فانتقال عناصر من خطاب لا يساوي انتقال بنيته كاملة.

كذلك لا يصح افتراض أن التيارات الجهادية جميعًا أبقت مرويات النهاية في هامش مشروعها؛ فحضور النبوءات الأخروية في تصور تنظيم داعش وتعبئته واضح للعيان بشكل جلي، وهذا يستدعي مقارنة الحالات، وتحديد موقع النبوءة في كل منها، دون اتخاذ التشابه دليلًا كافيًا على الاقتباس من جهيمان، فقد يعيد فاعلون مختلفون تنشيط المرويات المشتركة في أزمنة وسياقات متباينة، ويبقى إثبات طريق الانتقال عملًا آخر.

لهذا أرى أن خصوصية المشروع الجهيماني تُلزم الباحث بالتمييز بين صلات التكوين والمشروع والتلقي والأثر التاريخي، وتمنع تحويل الخيوط الجزئية إلى سلسلة مكتملة، كما تمنع إهدارها طلبًا لقطيعة مطلقة، فحمل السلاح لا يكفي لتوحيد الغايات، والاشتراك في النصوص لا يحدد وحده وظائفها، والاستفادة من تداعيات الحادثة لا تجعل المستفيد وريثًا لمشروع أصحابها.

ومن وجوه قيمة «الغريب» أنه يمنحنا حساسية لهذه الفروق، ويجعل السؤال عن المعنى أداة لقراءة التاريخ بدقة أكبر، فأثر جهيمان لا يُقاس بما بقي من أفكاره وحده، وإنما بما أحدثته جريمته من تحولات استثمرها آخرون، وبين الأمرين تقع مسؤولية البحث؛ أن نعرف ما استمر، وما انقطع، وما نشأ من النتائج دون أن يكون جزءًا من المقاصد، وأن نحفظ لكل تجربة خصوصيتها حتى نفهم كيف تتكرر المخاطر، وكيف تختلف الطرق المؤدية إليها.