لنتصور موظفًا يطلب منه قريب تقديم معاملته. تقتضي القاعدة الإدارية ترتيب المستفيدين وفق إجراء عام، بينما يحضر الواجب القرابي بوصفه التزامًا بالمساعدة، ويبدو الامتناع عنه تقصيرًا. يجتمع داخل الشخص نفسه عدل الإجراء ووفاء القرابة. لقد صار موظفًا في مؤسسة حديثة، لكن معنى الواجب الذي تربى عليه دخل معه إلى المكتب. ومن خلال هذه المواجهة اليومية يتقرر مقدار ما تملكه القاعدة العامة من قوة في تنظيم سلوكه.
يظهر المنطق الاستقرائي للمؤسسة في استجابتها للحاجة إلى تنظيم حقوق أشخاص لا تجمعهم قرابة (فكرة الولاء بناء على الهوية الوطنية لا القرابية) ثم تُختبر فاعلية الإجراء بقدرته على إنجاز العمل وتحقيق الغرض منه، وتُراجع قواعده حين تعوق الأداء أو تعجز عن الاستجابة لحاجة جديدة. ومع تكرار الممارسة، يكتسب التعامل المتساوي مع أصحاب الحقوق قيمة أخلاقية في نظر العاملين. تنتج التجربة بذلك فهمًا للواجب يتجاوز الدائرة القريبة. وهنا تتضح المسافة بين إنشاء المؤسسة الحديثة واستقرار منطقها في وعي الناس، كما تتضح قدرتها على إنتاج معانٍ جديدة من خلال الممارسة.
داخل هذا التحول أقرأ اتساع حضور الصحوة في المدرسة والجامعة خلال الثمانينيات الميلادية. فقد أتاحت المؤسسات الحديثة للخطاب مواقع للقيادة، وأنشطة منظمة، وجمهورًا واسعًا، ووسائل للانتشار. وعندما يقترن تعريف محدد للالتزام بالطالب النموذجي أو المعلم القدوة، تصبح المؤسسة موقعًا لتوزيع المكانة على أساسه. يتلقى الطالب فكرة عن الاستقامة، ويتعلم معها من يستحق الصحبة والثقة، ومن يتصدر النشاط، وأي اختلاف يعرض صاحبه للتقويم أو الاستبعاد.
تحمل القصة التي تُروى من منصة المدرسة وزن المؤسسة، ويصبح المظهر المقترن بالتكريم والقيادة موردًا للمكانة، ويتراجع الاعتراض حين يهدد موقع الطالب بين أقرانه. يتعلم الفرد كيف يبدو صالحًا في أعين الآخرين، وأي لغة تمنحه القبول، وأي موقف يعرضه للعزلة. ومن خلال التداخل بين الاقتناع ورغبة القبول وضغط الجماعة، يتحول المثال إلى ممارسة تعيد إنتاجه وتمنحه سلطة على الحياة اليومية. فالمؤسسة الحديثة تحمل معها إمكانًا لتنظيم العلاقات، لكن المعاني التي يعمل بها المنتمون إليها تحدد جانبًا من وجهة هذا الإمكان.
في هذه العلاقة تتحدد أهمية السياسة بوصفها متغيرًا وسيطًا. فحسابات المؤسسة تتيح للخطاب منافذ وموارد واعترافًا، ويستمد أثر هذه الإتاحة قوته من البناء الاجتماعي والثقافي الذي يتلقى الخطاب ويمنحه معناه. لم تكن الصحوة مجرد أفكار تنتقل إلى مجتمع خالٍ منها، ولا نتيجة قرار سياسي وحده؛ أعادت صياغة مُثُل وجدت لها سندًا في حياة الناس، ووسعت المؤسسات قدرتها على التأثير.
وتزداد العلاقة تعقيدًا حين تتبنى المؤسسات، لمصلحة سياسية أو اجتماعية آنية، بعض القيم التي يحملها خطاب الحركات الإسلاماوية، وتمنح أصحابها مساحة للتوجيه. تدخل هذه القيم إلى التعليم والمنابر والممارسة الرسمية، فتكتسب قوة المؤسسة إلى جانب قوتها الدينية. وبالتنشئة والتكرار تستقر في وعي المتلقين بوصفها تعريفًا للصواب، وتتجاوز الظرف الذي دفع إلى تبنيها. هنا يستخدم المنطق الاستقرائي، بحساباته العملية، خطابًا استنباطيًا يستمد سلطته من ثبات المثال وصحته. ويمكن قراءة التعبئة للجهاد الأفغاني في تلك الفترة من هذه الزاوية: التقاء المصلحة السياسية بمعنى ديني واجتماعي يحمل المشاركين على الفعل.
ولكن حين تتغير الظروف والمصالح، تتحرك الدولة لتعديل سياساتها، فتجد أمامها قيمًا أسهمت في ترسيخها، ولم تعد تملك وحدها تفسيرها أو تحديد مجال عملها. ما تعاملت معه المؤسسة بوصفه تدبيرًا لمرحلة، تلقاه حاملوه بوصفه التزامًا أخلاقيًا ودينيًا ممتدًا. تستطيع المؤسسة تغيير التدبير بسرعة أكبر من قدرتها على تغيير المعنى الذي منحته له. ولهذا يصطدم التغيير بالمشروعية التي منحتها المؤسسة نفسها لتلك القيم؛ فما يبدو لها استجابة لحاجة جديدة، يبدو لحامليها تراجعًا عن الصواب. لا يكفي حينئذ شرح منافع القرار لإقناع المعترض عليه: المؤسسة تسأل عما يحققه، بينما يسأل هو عما يفعله بصورة الحياة التي تعلّم وجوب المحافظة عليها.
يظهر هذا التوتر حين تُخضع الجماعة الرموز الوطنية لتعريفها الخاص للولاء والبراء، وتحدد في ضوئه من تجب نصرته ومن تجب معاداته.
وفي أزمة الخليج عام 1990، وضع الجدل حول الاستعانة بالقوات الأجنبية مفاهيم الضرورة والمصلحة والولاء في مواجهة مع مقتضيات الدولة وأمنها. ما يُقرأ في منطق الدولة بوصفه تدبيرًا لحماية البلد، يُعاد تفسيره داخل الخطاب المعترض بوصفه امتحانًا للعقيدة والانتماء. وبذلك يصبح الخلاف على القرار خلافًا على الأساس الذي ينبغي أن يُحكم به عليه. وتنكشف قوة مُثُل أنتجتها الحياة الاجتماعية، ثم ساعدت المؤسسة على ترسيخها، فعادت لتحاكم الواقع المتغير ومنطق المؤسسة نفسها.