ليس من العدل أن تكون المسافة بين الطفل وحلمه أكبر من المسافة التي تفصله عن ملعب كرة القدم. وليس من المنطقي أن يُطلب من لاعب صغير أن يغادر مدينته وأسرته وبيئته الاجتماعية حتى يحصل على فرصة لتطوير موهبته، بينما يستطيع لاعب آخر أن يتدرب في أكاديمية قريبة من منزله، ويعود بعد التدريب إلى أسرته، وينمو رياضياً ونفسياً في بيئة تمنحه الشعور بالأمان والاستقرار. هذه المفارقة تطرح سؤالاً مهماً عن توزيع الفرص الرياضية في المملكة: لماذا قد يصبح الاغتراب شرطاً غير معلن أمام بعض المواهب من أجل الاحتراف؟

في مناطق ما - مثلا - حيث تنشأ مواهب رياضية تستحق الاكتشاف والرعاية، تبرز الحاجة إلى منظومة أكاديميات احترافية عالية المستوى قادرة على احتضان الأطفال والمراهقين في كرة القدم وغيرها من الألعاب. فالموهبة لا تنتظر حتى ينتقل صاحبها إلى مدينة أخرى كي تبدأ بالنمو، ولا ينبغي أن يكون مستقبل الطفل الرياضي مرتبطاً بقدرة أسرته على تحمّل تكاليف انتقاله وإقامته بعيداً عنها. حين تكون الفرص الاحترافية محدودة في المنطقة، يصبح اللاعب الصغير أمام خيار صعب: إما أن يواصل ممارسة اللعبة بإمكانات محدودة، وإما أن يغادر بيئته في عمر يحتاج فيه إلى أسرته أكثر من أي وقت آخر.

إننا نتحدث هنا عن مرحلة الطفولة والمراهقة، وهي ليست مجرد سنوات لتطوير المهارات الفنية والبدنية، بل مرحلة يتشكل فيها الإنسان نفسياً واجتماعياً. يحتاج الطفل إلى مدرب يفهم قدراته، وبيئة تمنحه فرص التطور، وأسرة تسانده، وشعور بالاستقرار يساعده على التعامل مع ضغوط المنافسة. وعندما يُجبر على الابتعاد عن أهله في سن مبكرة، فإنه لا ينتقل إلى ملعب جديد فحسب، بل ينتقل إلى تجربة حياة مختلفة تتطلب منه التكيف مع الغربة والمسؤولية والاشتياق، بالتزامن مع محاولته إثبات نفسه رياضياً.


وهنا يجب ألا نخلط بين صناعة اللاعب المحترف وصناعة الإنسان القادر على تحمّل الاحتراف. فليس كل طفل مستعداً نفسياً للابتعاد عن أسرته، وليس كل ولي أمر قادراً مادياً على تمويل انتقال ابنه وإقامته. وقد تكون الموهبة موجودة، والرغبة حاضرة، لكن الفرصة تضيع لأن الطريق إليها مكلف أو بعيد. وهكذا نخاطر بأن يصبح الوصول إلى الاحتراف امتيازاً لمن يستطيع الانتقال، بدلاً من أن يكون نتيجة عادلة للموهبة والعمل والتدريب.

وإذا كان اللاعب في المدن التي تتوفر فيها أكاديميات متعددة يستطيع المفاضلة بين البيئات التدريبية واختيار الأنسب له، فلماذا لا تتاح للاعب آخر في منطقة ما - كجازان، أو عرعر أو تبوك، مثلا - فرصة مماثلة؟

العدالة الرياضية لا تعني أن يحصل الجميع على النتائج نفسها، إنما أن يحصلوا على فرص حقيقية للتطور. ولا يكفي أن نطالب المناطق بإنتاج لاعبين للمنتخبات والأندية، ثم نترك البنية التحتية المتخصصة متركزة في مدن محددة. اكتشاف الموهبة مسؤولية، لكن توفير البيئة التي تسمح لها بالنمو مسؤولية لا تقل أهمية.

الاستثمار في أي مكان لا ينبغي أن يقتصر على إنشاء الملاعب أو تنظيم البطولات الموسمية، بل يجب أن يمتد إلى تأسيس أكاديميات تعمل وفق برامج تدريبية واضحة، وتضم مدربين مؤهلين، ومتخصصين في الإعداد البدني والنفسي، ومسارات لاكتشاف المواهب ومتابعة تطورها. كما يمكن بناء شراكات بين الأندية والجهات الرياضية والقطاع الخاص لإنشاء مراكز تدريب متخصصة، وربطها ببرامج انتقاء وتطوير تتيح للمواهب الانتقال إلى مستويات أعلى عندما تصبح مستعدة لذلك، لا عندما تضطر إلى مغادرة المنطقة بحثاً عن فرصة أولية.

الموهبة لا تعرف حدود المدن، لكن الفرص قد تصنع تلك الحدود. وإذا أردنا أن نبني مستقبلاً رياضياً حقيقياً، فعلينا ألا نكتفي بالسؤال عن عدد المواهب التي تملكها أي مدينة أو محافظة، بل أن نسأل: كم موهبة تستطيع أن تحتضن وتطور قبل أن تضطر إلى مغادرتها؟