فإن تتبع التحولات الفكرية والمؤسسية الكبرى في عالمنا الإسلامي خلال العقد المنصرم يُبَصِّر المتأمل بمواقف ومسارات خطيرة تنتهجها بعض المؤسسات الدينية الرسمية العريقة التي طالما كانت على وفاق مع المدرسة السلفية.

وإذا ما وقفنا عند المؤسسة الأزهرية في مصر وما يدور في فلكها كوزارة الأوقاف ودار الإفتاء، ونظرنا بعين الباحث المتجرد والناقد المنصف لأعمالها ومواقفها حيال المدرسة السلفية، فإننا نجد أنفسنا أمام حالة مفاصلة منهجية شملت إجراءات ميدانية وأكاديمية وإدارية معلنة.

فقد تجلت أولى مظاهر هذا التضييق الميداني في مُصَادَرة المنبر وإقصاء الصوت السلفي عن الشارع الإسلامي؛ إذ سحبت وزارة الأوقاف ــ بالتنسيق المباشر مع المؤسسة الدينية الرسمية ــ التراخيص من كبار الشيوخ والدعاة المحسوبين على التوجه السلفي، ومن ذلك منع الشيخ محمد حسان والشيخ محمد حسين يعقوب منعًا باتًا من اعتلاء المنابر أو إلقاء الدروس والخواطر في المساجد، كما جرى استبعاد وعزل مئات الأئمة والخطباء ممن ثبت تبنيهم للمنهج السلفي أو إشادتهم بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية في دروسهم، فضلًا عن إغلاق «معاهد إعداد الدعاة» التابعة للجمعيات السلفية كجمعية أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية، وضم مساجدها كليًا لوزارة الأوقاف لمنع تدريس المناهج السلفية.


ولم يقف الأمر عند المنبر الدعوي، بل امتد ليشمل المناهج التعليمية في المعاهد الأزهرية وجامعة الأزهر، حيث شهدت المقررات حملة مراجعات واسعة تحت مسمى «تطوير المناهج وتجديد الخطاب الديني»، انصبت عمليًا على حذف وإبعاد المسائل والترجيحات المنقولة عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم؛ وقد خرج عميد كلية أصول الدين بالقاهرة سابقًا الدكتور عبدالفتاح العواري بتصريحات متلفزة معلنة تؤكد أن كتب ابن تيمية وابن القيم لا تُدرّس في جامعة الأزهر، وأن فكرهما يخالف الوسطية الأزهرية القائمة على العقيدة الأشعرية، فيما أعيدت صياغة كتب التوحيد لتجعل المذهب الأشعري والماتريدي هو المعيار الوحيد الحصري للإسلام الصحيح، مع وصف المخالفين من السلفيين بعبارات التشبيه والتجسيم.

كما طال هذا التدبير المحراب الأكاديمي الشريف في الدراسات العليا بكليات أصول الدين، والشريعة والقانون، والدعوة؛ إذ شهدت جامعة الأزهر منع تسجيل أو فرض تعديلات جوهرية وشطب على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولت تقرير عقيدة السلف في الصفات أو نقد التأويل الأشعري، وتزامن ذلك مع تهميش أعضاء هيئة التدريس المائلين للمنهج السلفي بمنعهم من تدريس مادة «العقيدة والفلسفة»، أو إبعادهم عن الإشراف، إضافة إلى منع العلماء والمحققين السلفيين من خارج الكادر الأزهري من المشاركة في لجان المناقشة والحكم على الرسائل العلمية، ووصول الأمر في حالات مدونة إلى حجب التقديرات عن أبحاث أثنت على المنهج السلفي أو انتقدت التصوف الكلامي.

ولم تتوقف هذه الإجراءات عند الحدود التعليمية، بل تجسدت في سحب ومصادرة كتب التراث السلفي من مكتبات المساجد التابعة للأوقاف؛ حيث جرى جرف وتطهير تلك المكتبات من كتب التوحيد والعقيدة ومؤلفات ابن تيمية ومجموع الفتاوى وكتب أهل الحديث، وتوج هذا المسار الإقصائي بمشاركة قيادات أزهرية بارزة ــ وعلى رأسهم شيخ الأزهر ورئيس جامعتها ــ في مؤتمر جروزني (2016م)؛ حيث صرح البيان الختامي للمؤتمر بحصر مسمى «أهل السنة والجماعة» في الأشاعرة والماتريدية في العقيدة، وأصحاب المذاهب الأربعة في الفقه، وأهل التصوف في السلوك، مستثنيًا ومخرجًا المدرسة السلفية وأهل الحديث من هذا المسمى الشريف.

غير أن الحق المتين والمنهج القائم على الكتاب والسنة بفهَم السلف الصالح لا يزول بتدابير إدارية ولا بتضييقات أكاديمية، فصوت الدليل أبلج، والسنن الكونية ماضية في حفظ هذا الدين ونبذ كل محاولة لإقصاء حملة السنة والحديث.

نسأل الله أن يصلح أحوال المؤسسات الإسلامية، وأن يجمع كلمة المسلمين على التوحيد الخالص والسنة الصحيحة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.