تلك الصورة تعيد إليّ سؤالا عن المعرفة وحدودها: هل تمنحنا معرفة الأشياء راحة دائماً، أم أن بعض ما نعرفه يزيد أثقالنا؟ للعلم مقامه الشريف؛ به يتسع أفق الإنسان وتستقيم أحكامه، وللجهل في صورته العامة مقامه الوضيع؛ إذ يحجب الحقائق ويورث العجز. وبينهما مساحة تستحق التأمل، هي مساحة المعرفة المبتورة التي تمنح قارئها طرفاً من الحقيقة، وتتركه وحيداً أمام ما يجهل، فيحسب أنه اقترب من الفهم، بينما تتسع في نفسه دائرة الخوف.
هنا يصبح الجهل، بمعنى آخر، نعمة؛ نعمة أن نعرف حدود معرفتنا، وأن ندع بعض ما لا نحسنه لأهله. قد تبدأ الحكاية بعرض صحي صغير؛ يقرأ الإنسان عن أعراضه، فينتقل بين صفحات الطب باحثاً عن تفسير مطمئن، ثم يجد نفسه أمام احتمالات متباعدة وأسماء أمراض ثقيلة وتفاصيل توقظ المخاوف. لقد امتلك معلومات وبقيت الخبرة التي ترتبها وتضعها في سياق الجسد وتاريخه وحالته، وهي خبرة الطبيب المختص. وهكذا تتحول المعرفة الناقصة إلى عبء؛ لأنها تفتح أبواب الاحتمالات جميعاً، وتترك قارئها عاجزاً عن معرفة ما يعنيه منها.
ولعل الأمل، في مثل هذه الأحوال، يمنح الإنسان راحة تسند يومه؛ فليس كل رجاء وهماً، وقد تكون العيشة على أمل جميل عوناً للنفس على احتمال ما تعرفه. لهذا يحضر بيت الطغرائي: «أعلل النفس بالآمال أرقبها / ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل»، ويأتي في المعنى نفسه بيت لشاعر أعرابي: «مُنىً ! إن تكن حقاً تكن أحسن المنى / وإلا فقد عشنا بها زمناً رغداً». أي فإن صدقت الأماني كانت أحسن المنى، وإن تأخرت فقد عشنا زمنا رغدا في رجائها. وفي السياسة، يقرأ المرء الأخبار والتحليلات، ويتابع صراع المصالح ومناورات الدول، ثم يحمل إلى يومه شذرات كثيرة وخريطة ناقصة ومخاوف مكتملة.
ففهم السياسة يحتاج إلى معرفة بالسياقات والمصالح وموازين القوة، أما متابعة أطراف المشهد فتمنح القلق مادة يومية، وتترك الخيال يملأ الفراغ بما يخشاه. وفي هذا المعنى تأتي العبارة المنسوبة إلى دوستويفسكي - على قسوتها - «شدة الإدراك لعنة»؛ كما يختصر المتنبي خطورة العقل -الذي يتوغل في التفاصيل- بقوله: «ذو العقل يشقى في النعيم بعقله / وأخو الجهالة بالشقاوة ينعم».
وقد يزيد الذكاء الاصطناعي هذه الحيرة؛ إذ يقدم إجابات فورية عن الأعراض والأحداث والأسئلة المعقدة، بصياغة واثقة قد تخفي تفاوت مصادرها وحدودها. وحين يطلب المرء منه تفسير ألم أو استشراف أزمة، قد يتلقى كلاماً عاماً يلامس مخاوفه أكثر مما يفسر حاله؛ لذلك تظل الإجابة مدخلاً إلى السؤال، ويظل التشخيص للطبيب، وفهم الوقائع لأهل الخبرة.
الجهل الذي أدافع عنه هنا معرفة بحدود المعرفة، وخفة تحفظ للإنسان عفويته، وثقة بأهل الاختصاص فيما لا يحسنه. وقد تمنحنا الحياة سكينة أوسع كلما أحسنا اختيار ما نقرأ، وما نتركه لأصحابه، وما ندعوه إلى فسحة الرجاء؛ فالعقل يضيء الطريق، والحكمة أن نعرف مقدار الضوء الذي نحتاج إليه كي نمضي.