بين خارطة تعاون طرحتها موسكو وهجمات تضرب الكهرباء والذهب والأسواق، تتداخل في السودان مساعي الشراكة الاقتصادية مع حرب تستنزف مقومات الإنتاج والحياة. ففيما بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان توسيع التعاون وتهدئة النزاع، أضاف خروج محطة كهرباء شندي عن الخدمة ضغوطا جديدة على البنية الأساسية، ضمن سلسلة هجمات طالت، وفق تقرير محلي، 11 محطة كهرباء خلال نحو 10 أيام، بالتزامن مع ضربات على مواقع التعدين ومرافق مدنية.

شراكة موسكو

وقدم بوتين للبرهان، خلال لقائهما الجمعة، خارطة طريق للتعاون الثنائي تشمل التكنولوجيا الرقمية والصحة والتعليم والخدمات اللوجستية والصناعة، داعيا الجانب السوداني إلى دراسة المشروعات واختيار المناسب منها للعمل المشترك.


وبالتوازي مع المقترحات الاقتصادية، دعا الرئيس الروسي إلى وقف العمليات القتالية والانتقال إلى تسوية سياسية، وبحث ما تستطيع بلاده تقديمه لتهدئة الأوضاع. وتتعلق خارطة الطريق المعلنة بمجالات التعاون بين البلدين، بينما يمثل وقف الحرب مسارا سياسيا طرح خلال المباحثات.

وعرض البرهان إنشاء منطقة اقتصادية حرة على البحر الأحمر، تتضمن منشآت لتخزين القمح والوقود وتوزيعهما إلى الأسواق الأفريقية، إلى جانب مشاركة الشركات الروسية في تطوير السكك الحديدية، وإتاحة مواقع للاستثمار في استخراج الذهب والنحاس ومعادن أخرى.

وتضع هذه العروض النقل والطاقة والتعدين في صلب الشراكة المقترحة، لكن تحويلها إلى مشروعات منتجة يرتبط بتأمين المنشآت وطرق الإمداد واستمرار الخدمات، وهي مقومات تتعرض لضغط متزايد مع امتداد الهجمات إلى مرافق الاقتصاد.

كهرباء مستهدفة

وفي شندي، أعلنت اللجنة الأمنية للمحلية خروج المحطة التحويلية للكهرباء عن الخدمة بالكامل، عقب هجوم بطائرة مسيرة ألحق أضرارا بالمحولات. وشمل الاستهداف مستودعا احتياطيا للوقود ومبنى تابعا للدفاع الجوي، فيما انقطع التيار عن المدينة وضواحيها.

وجاء الهجوم بعد استهداف محطة أم دباكر الحرارية في ربك بولاية النيل الأبيض، الخميس، وتعرضها لأضرار أخرجتها من الخدمة. وبلغ عدد محطات الكهرباء التي طالتها هجمات منسوبة إلى قوات الدعم السريع 11 محطة خلال نحو 10 أيام، وفق تقرير محلي.

ويتجاوز أثر انقطاع الكهرباء تعطيل الإنارة والمصانع إلى تهديد تشغيل المستشفيات ومضخات المياه وتبريد الأدوية وحفظ الغذاء. كما يزيد الاعتماد على المولدات وكلفة الوقود، في وقت تتعرض فيه مرافق التخزين والإمداد للاستهداف، بما يضاعف صعوبة استمرار الخدمات الأساسية.

ضحايا نيالا

وفي جنوب دارفور، أعلنت «أطباء بلا حدود» أن مستشفى نيالا التعليمي استقبل جثامين 36 شخصا وعالج نحو 150 مصابا، عقب ضربتين أصابتا سوقا مكتظة وحيا سكنيا في 26 أكتوبر.

ونسبت المنظمة الضربتين إلى القوات المسلحة السودانية، موضحة أن 21 من القتلى كانوا يرتدون ملابس مدنية، وأن المصابين شملوا نساء وأطفالا، وبينهم حالات شظايا وحروق شديدة.

وحذرت من أن استهداف الأسواق والمنازل يعرض المدنيين للعنف ويقوض حصولهم على الغذاء والإمدادات، لتتداخل خسائر القصف المباشرة مع تراجع الخدمات وصعوبة تأمين الاحتياجات اليومية.

ذهب تحت النار

ويمتد استنزاف البنية الاقتصادية إلى قطاع الذهب الذي طرحه البرهان ضمن فرص الاستثمار أمام موسكو. وقال محافظ ود الماحي بإقليم النيل الأزرق، محجوب الشيخ، إن نحو 13 مسيرة استهدفت، الخميس، مواقع تعدين وسوقا ومرافق خدمية، ونسب الهجمات إلى قوات الدعم السريع.

وأوضح أن الضربات أحرقت صهريجا للجازولين وأتلفت أحواضا تستخدم في معالجة خام الذهب، وطالت مواقع الخلفاء الراشدين والراتق وشركة الليبي، إلى جانب مدرسة ومركز صحي.

وسبقت ذلك ضربات على 3 مواقع تعدين بمنطقة الليري في جنوب كردفان، الثلاثاء، أسفرت عن مقتل 5 أشخاص وإصابة 6 آخرين، وفق مصادر محلية. وشملت مواقع الأخضر والكركر والدنبالو، حيث تضررت طواحين ومرافق لمعالجة الخام.

ويهدد تضرر الوقود والطواحين وأحواض المعالجة استمرار الإنتاج، ويمتد أثر توقفه إلى أجور المعدنين والنقل والتجارة والخدمات المحيطة بالمواقع. وبين الشراكة المطروحة في موسكو والمنشآت المستهدفة داخل السودان، تصبح حماية الكهرباء ومواقع الإنتاج والأسواق شرطا لاستعادة النشاط الاقتصادي، بالتوازي مع وقف القتال وحماية المدنيين.