قد يمتلك اللاعب موهبة، ويحظى بأفضل مدربين، ويتدرب في منشآت رياضية متقدمة، وبرامج إعداد بدني وطبي ونفسي، لكنه مع ذلك لا يصل لمستوى الاحتراف الذي نطمح إليه. وهنا يبرز سؤال مختلف عن الأسئلة التقليدية التي اعتدنا طرحها حول كرة القدم السعودية: ماذا ينقص اللاعب السعودي ليصير محترفاً؟ المشكلة - في تقديري - قد لا تكون في الإمكانات المتاحة بقدر ما هي «نمط تفكير» يوجّه سلوك اللاعب، ويحدد علاقته بنفسه ومستقبله ومهنته الرياضية.

الاحتراف ليس مجرد عقد مع نادٍ، أو راتب شهري، أو مشاركة في بطولة، إنما «عقلية فهم الحياة والتعامل معها»، هو الطريقة التي يرى بها اللاعب ذاته، ويفهم قيمة وقته، ويتعامل مع جسده، وينظر من خلالها لطموحه ومسؤوليته تجاه مستقبله. المحترف لا يلتزم بالغذاء الصحي لأنه فقط تلقى تعليمات من أخصائي التغذية، ولا ينام مبكراً لأنه يخشى عقوبة الإدارة، بل لقناعته بأن جسده هو أداته المهنية، والمحافظة عليه جزء من مسؤوليته تجاه المهنة التي اختارها.

هنا تكمن أهمية «نمط التفكير»؛ فهو الذي يحوّل المعرفة إلى سلوك، والتعليمات إلى قناعات، والطموح إلى ممارسة يومية. يمكن أن يسمع اللاعب مئات المرات بأهمية النوم والاستشفاء والتغذية، لكن إذا لم تتغير طريقة فهمه لهذه الأساسيات، ستظل بالنسبة إليه واجبات مفروضة من الإدارة، وليست اختيارات نابعة من إدراكه لقيمتها. قد يلتزم بها أمام المدرب أو أثناء وجوده في النادي، ثم يتخلى عنها بمجرد مغادرته المنشأة الرياضية. هذا تحديداً هو الفارق بين لاعب ينفذ التعليمات وآخر عرف معنى الاحتراف، واستوعب ماهيته.


لكن نمط التفكير لا يتكون داخل الملعب وحده، بل يبدأ قبل وصول اللاعب إلى الأكاديمية. يبدأ تشكله من الأسرة، أساليب التربية، البيئة المحيطة، المدرسة، الأصدقاء، والتجارب التي يمر بها في طفولته ومراهقته. فاللاعب الذي ينشأ في بيئة تعزز المسؤولية والاستقلالية واحترام الوقت وتقدير العمل، يملك أرضية تساعده على بناء سلوك احترافي. أما الذي لم يتعلم إدارة وقته أو تحمل مسؤولية قراراته، فلا يمكن توقع أن يتحول فجأة إلى شخص منضبط بمجرد توقيعه عقداً رياضياً.

«برامج التدريب وتطوير اللاعبين» تحتاج إلى الانتقال من تعليم المهارات الرياضية إلى تأسيس وبناء العقلية الاحترافية. نحن بحاجة إلى برامج نفسية وذهنية وفلسفية داخل الأكاديميات، لا تكتفي بتقديم محاضرات عن الغذاء والنوم والانضباط، بل تعمل على تطوير طريقة تفكير اللاعب تجاه ذاته والآخرين والعمل والنجاح والفشل. أن يتعلم كيف «يفكر في مستقبله، ويدير رغباته، ويتعامل مع النقد، ويتحمل مسؤولية أخطائه، ويفهم أن الموهبة وحدها لا تضمن الاستمرار، وأن التطور نتاج تضحيات وقرارات يومية»، هذا أهم ما نحتاجه.

هذه المسؤولية لا تقع على اللاعب وحده، بل تمتد إلى الأسرة والمدرسة والإدارة والمدرب. من الصعب أن نطلب من اللاعب الانضباط داخل الأكاديمية، بينما يعيش في محيط لا يعزز هذه القيمة، أو أن نطالبه بالاستقلالية وجميع قراراته تُتخذ نيابة عنه. صناعة «العقلية الاحترافية» تحتاج إلى منظومة منهجية متكاملة، تتحدث إلى اللاعب بلغته، تعلمه تدريجياً كيف ينتقل من الالتزام خوفاً من العقوبة، إلى الالتزام اقتناعاً بالهدف.

قطعت كرة القدم السعودية خطوات كبيرة في بناء المنشآت والاستثمار في اللاعبين والمدربين والبرامج الفنية، وأصبح من الضروري أن يتزامن هذا التطور مع استثمار أعمق في بناء الإنسان الذي سيستخدم هذه الإمكانات. المنشأة المتطورة وحدها لا تصنع لاعباً محترفاً، والمدرب الجيد لا يستطيع تعويض غياب القناعات والسلوكيات التي يحتاجها اللاعب خارج الملعب.

اليوم قد لا ينقص اللاعب السعودي مزيدا من التعليمات، بقدر ما ينقصه أن يفهم لماذا يجب أن يلتزم بها. فالاحتراف ليس ما يفعله اللاعب عندما يراقبه المدرب، بل ما يفعله طواعية واقتناعا عندما لا يراقبه أحد. هنا تحديداً تبدأ صناعة اللاعب المحترف: من طريقة تفكيره قبل طريقة لعبه.