منذ مايو الماضي تشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية تفشياً واسعاً لإيبولا، تجاوزت إصاباته المؤكدة 10 آلاف حالة، واقتربت الوفيات من نصف هذا العدد. وامتد المرض إلى دول أخرى، بينها أوغندا وكينيا ونيجيريا، وصنفته منظمة الصحة العالمية طارئة صحية عامة تثير قلقًا دوليًا. ورغم أن العدوى لا تنتقل عبر الهواء، وإنما بالمخالطة المباشرة لدم المصاب أو سوائل جسمه، فإن تأخر اكتشاف الحالات وصعوبة تتبع المخالطين قد يمنحان المرض فرصة للانتشار.
يزيد التحدي أن التفشي الحالي ناجم عن فيروس «بونديبوجيو»، أحد الأنواع المسببة لمرض إيبولا، الذي لا يتوافر له حتى الآن لقاح أو علاج. فاللقاح المعتمد ضد إيبولا يستهدف سلالة أخرى من الفيروس ولم تثبت فاعليته ضد سلالة بونديبوجيو لدى البشر، فيما تتواصل التجارب السريرية لتقييم اللقاحات والعلاجات المحتملة. ولذلك تظل سرعة الاكتشاف، وعزل الحالات، وتتبع المخالطين، والرعاية الداعمة، أدوات أساسية لاحتواء التفشي.
في هذا السياق يمكن قراءة الإجراءات السعودية، ففي يونيو الماضي علقت المملكة سفر المواطنين إلى الكونغو الديمقراطية وأوغندا وجنوب السودان، وأوقفت إصدار التأشيرات ودخول القادمين منها، بمن فيهم من أقاموا في إحداها خلال الأيام الحادية والعشرين السابقة لوصولهم. ومؤخرًا امتدت الإجراءات إلى كينيا. وترتبط هذه المدة بالحد الأعلى المعروف لفترة حضانة المرض، وهي مهمة في المتابعة الوبائية، وإن كانت لا تغني عن التقييم الصحي بحسب ظروف التعرض واحتمالات العدوى.
في المقابل لا توصي منظمة الصحة العالمية بفرض قيود عامة على السفر والتجارة مع الدول المتأثرة. ويستند هذا التوجه إلى اعتبارات صحية تتجاوز حركة المسافرين فهل يتعارض الموقفان بالضرورة؟ أرى أن الإجابة تحتاج إلى النظر في السياق الذي يتخذ فيه القرار. فالمملكة تتمتع بخصوصية صحية مرتبطة باستقبال ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار من مختلف أنحاء العالم، وما يصاحب ذلك من حركة سفر وتجمعات بشرية واسعة. وتضاف إلى هذه الخصوصية خبرة مؤسسية اكتسبتها المملكة خلال استجابتها لجائحة كوفيد -19، التي أبرزت أهمية القرار المبكر والتنسيق بين القطاعات والقدرة على التكيف مع المتغيرات الوبائية. وحين تجتمع هذه الخبرة مع طبيعة التجمعات البشرية وغياب لقاح مرخص للسلالة الحالية، تكتسب الإجراءات التي قد تقلل احتمالات وصول العدوى أو تمنح النظام الصحي وقتًا إضافيًا للاستعداد أهمية خاصة.
يمكن النظر إلى الإجراءات السعودية بوصفها استثناء احترازيًا يمكن تبريره في ضوء التقييم الوطني للمخاطر، دون اعتباره خروجًا بالضرورة عن أهداف الوقاية الدولية. فمشروعية الاستثناء لا تستمد قوتها من صرامته، وإنما من تناسبه مع الخطر ووضوح مبرراته، واستمرار تقييم الحاجة إليه.
غير أن هذه المشروعية ترتبط بثلاثة اعتبارات. أولها أن تستند الإجراءات إلى مؤشرات وبائية واضحة، وأن تراجع دوريًا، فتخفف حين يتحسن الوضع كما تشدد حين يسوء. وثانيها ألا تتحول قيود السفر إلى بديل عن الجاهزية الداخلية فحالة نيجيريا تذكرنا بأن السؤال عن تاريخ السفر، وكفاءة المختبرات، ويقظة الممارس الصحي، عناصر حاسمة في اكتشاف الحالات. وثالثها أن تتكامل حماية الداخل مع دعم الاستجابة في الدول المتأثرة، لأن تحسين اكتشاف الحالات ومتابعة المخالطين هناك يسهم في تقليل مخاطر انتقال العدوى إلى الخارج.
في الطب العلاجي نرى مريضًا تعافى، أما في الصحة العامة فقد يكون الإنجاز حدثًا لم يقع أصلًا. ولهذا تحتاج القرارات الوقائية إلى الشفافية والتفسير المستمر، حتى يدرك المجتمع أسباب اتخاذها، ويفهم كذلك دوافع تخفيفها أو إنهائها.
قد تكون أعظم إنجازات الصحة العامة تلك التي لا يراها أحد: أوبئة لم تصل، وسلاسل عدوى انقطعت قبل أن تتسع. لكن قيمة الوقاية لا تقاس بصرامة الإجراء وحده وإنما بحكمة توقيته، ووضوح معاييره، والقدرة على مراجعته. فحماية الإنسان هنا تبدأ، في كثير من الأحيان، بحماية الإنسان هناك.