ألهمتني الصورة كتابة مقالي اليوم فهي تؤكد - بما لا يدع مجالا للشك- أن الحقل العلمي رغم صرامته وجديته يمكن أن يتأثر بالدعاية السياسية بل أنها يمكن أن توجه العقل العلمي تجاه تحيزات أيديولوجية وتبتكر قصصا أقرب لقصص الأطفال لبدايات العلم.
بلانك ورغم أنه أقل شهرة بكثير من آينشتاين، يؤمن كثير من علماء الفيزياء أن إسهاماته العلمية تفوق بكثير إسهامات آينشتاين، لكن شهرته ظلت مقصورة بين المختصين بالفيزياء، وبالكاد يكون معروفا خارج حقل «نظرية الكم». في حين آينشتاين كأنه نجم (سوبر ستار) حتى صار مثالا أعلى للعبقرية العلمية المتفردة، وانتشرت قصص خيالية عن امتلاكه دماغا يفوق أدمغة البشر العاديين ويختلف عنها جوهريا، وأجريت على دماغه تجارب علمية وشرحت مكوناته للتأكد من حقيقة عبقريته المدهشة. ويقال - والعهدة على الراوي -أن علماء التشريح اكتشفوا بعد التشريح أن حجم دماغه أكبر من أدمغة البشر، وهذا يمكن أن يفسر عبقريته الخارجة عن قدرات البشر.
أطلت كثيرا في المقدمة التي لا علاقة مباشرة بمقالي عن الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت صاحب المقولة ذائعة الصيت (أنا أفكر إذن أنا موجود) التي رغم أنها بلا معنى وبلا قيمة علمية، لكنها صارت مثالا أعلى للعقلانية وبفضلها انتقل الأوروبيون من الظلمات إلى النور وأصبحوا يشكون في كل الخدع والأوهام التي سببها رجال الكنيسة الظلاميون الذين يقدمون النص على العقل. وبفضلها صار الشك العقلاني ثقافة أوروبية جعلت الأوروبي ينظف أفكاره تلقائيا من أي خرافة تجتاح عقله الذي لوثه رجال الكنيسة، حتى استطاع أن يكون فردانيا يعتمد على عقله المحض اعتمادا كليا ويخترع الطائرات والسيارات والأجهزة الذكية.
أعتذر مجددا فأنا ما زلت أطيل ولم أدخل في صلب الموضوع وهو: علاقة ديكارت بعلم الرياضيات الحديث، وهل فعلا هناك علاقة بين شيطان ديكارت المخادع الذي أوصله لمرحلة متقدمة من الشك جعلته يشك حتى في وجوده ويطلق صرخته العقلانية (أنا أفكر إذن أنا موجود)، بعلم الرياضيات؟ يقال إن ديكارت كان مستلقيا على سريره فرأى ذبابة تتحرك بسقف الغرفة، الذبابة المسكينة حفزت عبقرية الشك عنده فتساءل: كيف يمكنني تحديد موقع الذبابة بدقة؟ وفي لحظة شك عظيمة ووحي علمي نزل من السماء فجأة، أدرك أنه يستطيع تحديد موقعها باستخدام المسافة بينها وبين جدارين متعامدين, ومن هنا جاءت فكرة الإحداثيات التي تتيح تحديد موقع أي نقطة باستخدام رقمين (x.y ). بهذه القصة الطفولية يُفسر ظهور نظام الإحداثيات الديكارتية الذي أصبح أساسا للهندسة التحليلية. كل شعوب الكوكب كانت نائمة حتى جاءت هذه الذبابة البريئة وأزعجت ديكارت وأجبرته على مواجهتها بسلاح الشك الفتاك ليقدم للبشرية نظام الإحداثيات الذي نعيش بركاته اليوم في مختلف مجالات الحياة. فهل أدركنا قيمة الشك الذي يهدم كل الموروثات حتى يصبح العقل فارغا ونظيفا ثم يبني الفكر من جديد؟
علاقة ديكارت بعلم الرياضيات لا تخلو من «دعاية سياسية» فهي مشكوك في صحتها، ومؤرخو العلوم الأوروبيون هم الذين اختلقوا سردية (المعجزة الأوروبية) التي ترجع كل فكر علمي حديث إلى عقل فرد أوروبي منفرد، متجاهلين الطابع التراكمي والجماعي للعلوم.