لعلّ أكثر ما يكشف هشاشة الإنسان ليس عجزه عن معرفة الحقيقة، بل ثقته المفرطة بأنه يعرفها. فنحن نميل إلى الاعتقاد بأن عقولنا تعمل مثل محاكم عادلة، تستقبل الوقائع، وتفحص الأدلة، وتوازن بين الاحتمالات، ثم تصدر أحكامها استنادًا إلى ما يتوافر لديها من معطيات.

العلم الحديث أخذ يقوّض هذه الصورة المطمئنة، ويضعنا أمام احتمال أكثر إزعاجًا: ربما لا يكون العقل البشري آلة مكرّسة لاكتشاف الحقيقة بقدر ما يكون جهازًا بارعًا في اختراع المبررات، وحماية صورته عن نفسه، وإقناع الآخرين بأنه على صواب.

ليس في ذلك إنكار لعظمة الدماغ البشري. فهذا العضو الذي لا يتجاوز وزنه بضعة كيلوغرامات مكّن الإنسان من فك شفرات الطبيعة، واستكشاف الفضاء، وبناء حضارات معقدة، وابتكار أدوات غيّرت وجه الكوكب. لكنه العقل نفسه الذي يستطيع أن يرسل مركبة إلى المريخ، ثم يتردد في الجلوس على مقعد يحمل الرقم ثلاثة عشر، خشية أن يكون الحظ قد قرر معاقبته. إنها مفارقة تختصر جانبًا من طبيعتنا: نحن قادرون على التفكير العلمي الدقيق، لكننا لا نكفّ عن الخضوع للمعتقدات والانحيازات والأوهام، حتى حين تتعارض مع ما نعرفه.


منذ تجارب عالم النفس بنيامين ليبت في سبعينيات القرن الماضي، بدأت تتشكل أسئلة عميقة حول طبيعة الإرادة الحرة. فقد أظهرت تجاربه أن نشاطًا عصبيًا مرتبطًا بالحركة قد يبدأ قبل اللحظة التي يعلن فيها الشخص شعوره الواعي بأنه اتخذ قرارًا بالحركة. لم تكن هذه النتائج دليلًا نهائيًا على انعدام الإرادة الحرة، لكنها فتحت بابًا واسعًا للتساؤل عن العلاقة بين الوعي والقرار: هل نحن الذين نتخذ قراراتنا فعلًا، أم أن الدماغ يشرع في اتخاذها، ثم يأتي وعينا ليعلن أنه صاحب المبادرة؟

نحبّ أن نتصور أنفسنا كائنات عقلانية تتخذ قراراتها بعد دراسة متأنية للمنافع والأضرار، لكن كثيرًا من اختياراتنا يتشكل بفعل عمليات لا نعيها تمامًا. وقد لا نعرف، في لحظة اتخاذ القرار، الأسباب الحقيقية التي دفعتنا إليه. وما نفعله بعد ذلك هو أننا نعيد ترتيب الوقائع، وننسج رواية تبدو منطقية، حتى نقتنع بأن ما حدث كان نتيجة تفكير واعٍ ومدروس.

وهكذا لا يكتفي العقل باتخاذ القرار، بل يتولى أيضًا كتابة محضر رسمي له، وغالبًا ما يحرص على حذف كل ما قد يحرج صاحبه. إنه أشبه بمحامٍ يعمل لدى موكّل واحد هو الأنا، ولا يتقاضى أجره إلا إذا نجح في تبرئتها.

أطلق عالم الأعصاب مايكل غازانيغا على إحدى الآليات الذهنية التي لاحظها في أبحاثه اسم «المفسّر» (The Interpreter). وقد برزت أهمية هذه الفكرة من خلال دراساته على أشخاص خضعوا لعملية جراحية لفصل الاتصال بين نصفي الدماغ، وهي عملية كانت تُستخدم في بعض الحالات الشديدة من الصرع. أظهرت تلك الدراسات أن نصفي الدماغ قد يتلقيان معلومات مختلفة، وأن أحدهما يستطيع توجيه سلوك الشخص من دون أن يكون النصف الآخر، المسؤول أساسًا عن الكلام والتفسير الواعي، على علم بما حدث. ففي إحدى التجارب، عُرضت صورة على النصف الأيمن من دماغ أحد المشاركين، ثم طُلب منه اختيار صورة مرتبطة بها. استخدمت يده اليسرى الاختيار الصحيح، بينما لم يكن النصف الأيسر، الذي يسيطر أساسًا على الكلام، يعرف السبب الحقيقي وراء ذلك الاختيار. وعندما سُئل عن سبب اختياره، لم يعترف بجهله، بل اخترع تفسيرًا بدا له مقنعًا.

تكمن أهمية التجربة في أنها كشفت قدرة العقل على إنتاج رواية تفسيرية حتى عندما لا يمتلك المعلومات اللازمة لذلك. فهو لا يحتمل الفراغ بسهولة، ولا يبدو مستعدًا للاعتراف بأن بعض أفعالنا قد تحدث لأسباب لا نعرفها. وبدلًا من أن يقول: «لا أعلم»، يفضّل أن يقدم تفسيرًا، ولو كان أقرب إلى التخمين منه إلى الحقيقة. وليس المقصود أن جميع البشر يعيشون بهذه الصورة المرضية، أو أن كل تفسير نقدمه لأنفسنا كاذب بالضرورة، بل إن هذه التجارب تكشف نزعة ذهنية أوسع: الميل إلى بناء معنى متماسك لما نفعله، حتى عندما تكون معرفتنا بالأسباب ناقصة.

هنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إثارة في الطبيعة البشرية. فنحن لا نكتفي بالرغبة في أن نكون على حق، بل نحتاج أيضًا إلى أن يرانا الآخرون كذلك. وقد تكون الحقيقة أحيانًا أقل أهمية بالنسبة إلينا من الصورة التي نرغب في الاحتفاظ بها عن أنفسنا. لذلك نبحث عن الأدلة التي تؤيد مواقفنا، ونتجاهل ما يناقضها، ونفسر إخفاقاتنا بالظروف، بينما ننسب نجاحاتنا إلى قدراتنا الشخصية.

إذا أخفقنا في امتحان، فقد نلوم صعوبة الأسئلة أو سوء التصحيح أو الظروف النفسية. وإذا نجحنا، فإننا نميل إلى اعتبار النجاح دليلًا على ذكائنا واجتهادنا. وإذا اختلف معنا شخص، فقد نصفه بأنه متعصب أو جاهل، بينما نعتبر اختلافنا معه علامة على استقلالنا الفكري. وهكذا نوزع الفضائل على أنفسنا، ونحتفظ للآخرين بنصيب وافر من العيوب. إننا لا نرى العالم دائمًا كما هو، بل كما يسمح لنا وعينا بأن نراه من دون أن ينهار تصورنا عن ذواتنا. فالأنا ليست مجرد إحساس بالوجود، وإنما هي أيضًا بناء يحتاج إلى الحماية المستمرة. والاعتراف بالخطأ قد يبدو، في بعض اللحظات، أشبه بتهديد لهذا البناء، لا بمجرد تصحيح لفكرة عابرة.

كان سقراط يدرك، منذ قرون، أن الاعتراف بحدود المعرفة ليس هزيمة للعقل، بل بداية حريته. فالإنسان الذي يظن أنه يمتلك الحقيقة يغلق الباب أمام التعلم، أما الذي يشك في يقينه فيترك نافذة مفتوحة أمام اكتشاف ما لم يكن يعرفه. في النهاية، ربما لا يكون الدماغ البشري مصممًا للبحث عن الحقيقة وحدها، وربما تتداخل في عمله دوافع البقاء والانتماء والإقناع وحماية الذات. لكن ذلك لا يعفينا من مسؤولية مقاومة انحيازاتنا، ولا يعني أن الحقيقة مستحيلة أو أن العقل محكوم عليه بالعيش في الأوهام. فامتلاك عقل يميل إلى تبرير نفسه لا يمنعنا من تدريبه على نقدها.

مأساة الإنسان ليست أنه لا يعرف الحقيقة دائمًا، بل أنه يستطيع أن يجهلها ويظل مقتنعًا بأنه اكتشفها. وربما تبدأ الحكمة الحقيقية حين نتوقف عن مطالبة العالم بأن يثبت لنا أننا على صواب، ونمتلك الشجاعة الكافية لنسأل أنفسنا: ماذا لو كنا نحن المخطئين؟