قد يشتهر الإنسان بما لا يراه جديرًا بأن يبقى منه. ينطق بعبارة ثم ينساها، ويحفظها الناس حتى إذا تحدث في غيرها أعادوه إليها. يمضي عمره، فيما يبقونه للحظة؛ لهم فيها ضحكاتهم، وله خارجها حياة لا يعرفونها.

ربما بالغوا في الألفة معه، وهو يدرك أنهم لم يعرفوا منه سوى كلمات صاروا يقولون بها ما يخصهم.

نشرت صحيفة «الوطن» قصة صحفية " لا تقول رأيًا، ولا تتبنى موقفًا " ، راصدة فقط، بعنوان «أقوالهم جعلتهم مؤثرين»، فكتب الدكتور فواز اللعبون في منصة x معلقًا: «مثال على تراجع الصحافة».


توقفت عند حكمه؛ فقد لا تستحق عبارة إعجابنا، ويستحق تعلق الناس بها أن نكتب عنه. ولعل أكثر ما يدعو إلى التأمل أن كلمات قليلة منحت أصحابها شهرة K عجزت عنها نصوص بذل فيها أصحابها أعمارًا.

للذائقة أن تستنكر هذا التفاوت، أما معرفة اللغة فتحملنا على الإصغاء إلى ما سمعه الناس فيها، قبل أن نحكم على الصحيفة التي التفتت إليه.

لا تفصح التغريدة الموجزة عن سبب الحكم، ولهذا لا يصح أن ننسب إلى صاحبها ما لم يقله. لكنها تتيح مناقشة الصلة التي أقامتها بين موضوع المادة وتراجع الصحافة. فكلمة «مثال» تمنح الواقعة وظيفة الدليل على حال أوسع؛ ومن ثم يصبح السؤال عن وجه الاستدلال ضروريًا، حتى نعرف ما الذي تثبته المادة فعلًا.

قد نتعب في صقل جملة فلا تغادر الصفحة، وتخرج من أحدهم كلمات على سجيته، فتجري على ألسنة الناس. يجد فيها شخص ما يعبّر عن ضيقه، ويستعيرها آخر ليقول ضاحكًا ما يتحرج من قوله جادًا. ومع كل استعارة تعيش الكلمات موقفًا جديدًا، ويتسع معناها بما يضيفه الناس إليها من حياتهم. ومن يعرف اللغة يدرك أن في تعلق الناس بعبارة ما يستحق التأمل، حتى إن لم يجد فيها ما تنتشي له ذائقته.

نسمع «نعم» فندرك أن قائلها يرفض، ونقرأها فلا نجد سوى الموافقة. بين ما كتب وما فهمناه نبرة، ونظرة، ولحظة صمت.

ولعل عبارة شاعت بين الناس تدين بشيء من شهرتها إلى الطريقة التي قيلت بها؛ نضحك حين نسمعها، ثم ننقلها مكتوبة فلا يفهم من يقرؤها ما أضحكنا. لقد نقلنا الكلمات، وبقي في صوت صاحبها ووجهه شيء من معناها. وحين نرددها، نأخذها إلى حياتنا. يقولها أحدنا في عتاب، ويستعيرها آخر للمزاح، حتى تبتعد عن مناسبتها الأولى وتصبح أقدر على التعبير عنا. وقد يكفي أن يبدأ بها شخص ليكملها الجالسون؛ يضحكون لأنهم تذكروا معًا، ويشعر من فاتته الحكاية أن شيئًا من الحديث جرى دونه. في هذا التفاهم السريع أثر يستحق النظر؛ كيف جمعت كلمات قليلة بين أناس لم تجمعهم المناسبة التي قيلت فيها؟

قد يدفع صاحب العبارة ثمن تعلق الناس بها. يظهر ليتحدث في شأن آخر، فيطلبون منه تكرارها، وكأنهم لا يرونه كاملًا إلا حين يسمعونها منه. يفرح أول الأمر بأنهم حفظوا كلماته، ثم ربما ضاق بأنهم لم يحفظوا منه سواها. يمضي في عمره وتتغير اهتماماته، ويظل بعض جمهوره ينتظره في ثوان مضت، أحبوه فيها ولم يسمحوا له بمغادرتها.

وقد لفتت «الوطن» بجمع هذه العبارات، النظر إلى صلة تستحق التأمل بين كلام الناس والشهرة. فمن يقرأ الكلمات مكتوبة قد يستغرب حضورها، حتى يسمع النبرة التي صاحبتها ويرى كيف استعارها الجمهور لمواقف أخرى. ومعرفة ذلك تعيننا على فهم ما يجذب الناس، وكيف يمنحون شخصًا حضورًا واسعًا بكلمات قليلة. والاهتمام بهذا كله لا يقتضي الإعجاب بالعبارات أو بأصحابها؛ يكفي أنها تركت أثرًا في حديث الناس يستحق أن نقرأه بعناية.

ولصحيفة «الوطن» تاريخ في تناول قضايا البلاد، ولا ينتقص من هذا التاريخ أن تتوقف عند عبارة يتناقلها الناس.

ففي حديثهم شيء من حياتهم لا تقوله التقارير؛ ما يضحكهم، وما يجمعهم، ومن يحفظون له كلمات وينسون سواها. ومع طموحات رؤية 2030، تستحق التغيرات في أذواق السعوديين وتعبيرهم عن أنفسهم عناية تواكب ما يتحقق في حياتهم.

وقد أتعب في كتابة نص ثم أرى الناس يحفظون عبارة لم يتعب صاحبها في قولها. أستطيع أن أستنكر اختيارهم، لكن معرفتي باللغة تحملني على التريث: ما الذي سمعوه ولم أسمعه؟ وما الذي وجدوه فيها وغاب عني؟ لعل أول ما تمنحنا إياه المعرفة أن تجعل أحكامنا أقل استعجالًا، وإصغاءنا أشد عناية.

لهذا توقفت عند ما نشرته «الوطن»؛ فقد لا أجد في عبارة ما يدعوني إلى ترديدها، وأجد في تعلق الناس بها ما يحملني على الكتابة.

ولعل معرفتي باللغة تفقد بعض معناها إن لم تعلمني الإصغاء إلى كلام لا يشبه ذائقتي. يقول العبارة شخص واحد، لكن بقاءها على ألسنة الآلاف يجعلها خبرًا عنهم جميعًا. ومن يكتب عنهم يصغي إلى ما اختاروا أن يبقى، وإن كان هو سيختار سواه.