لم يكن أحد يتوقع أن تتحول رحلة قصيرة لفريق كرة قدم من الفتيان إلى واحدة من أشهر عمليات الإنقاذ في العالم. ففي الثالث والعشرين من يونيو عام 2018، دخل اثنا عشر فتى تتراوح أعمارهم بين 11 و16 عامًا، برفقة مدربهم، إلى كهف ثام لوانغ في شمال تايلاند، بعد انتهاء تدريبهم الرياضي. كانت الزيارة تبدو عادية، لكن الأمطار الموسمية هطلت بغزارة وارتفعت المياه داخل الممرات، فأغلقت طريق العودة وحاصرت المجموعة في أعماق الجبل.

في الخارج، بدأت العائلات تبحث عن أبنائها، وتحولت المنطقة المحيطة بالكهف إلى موقع لعملية إنقاذ واسعة. دخلت فرق البحث إلى الممرات المغمورة بالمياه، لكن المهمة لم تكن سهلة. الكهف طويل ومتعرج، وبعض ممراته ضيقة وممتلئة بالمياه، والرؤية شبه معدومة. وكلما تقدمت فرق الإنقاذ، واجهت صعوبات جديدة تجعل الوصول إلى الفتيان أكثر تعقيدًا.

مرت الأيام الأولى ثقيلة على عائلات الفتيان، وبعد تسعة أيام من البحث، في الثاني من يوليو، وصل غواصان بريطانيان إلى الفتيان ومدربهم، وعثرا عليهم أحياء في منطقة مرتفعة داخل الكهف.


كان الطريق إلى الخارج مغمورا بالمياه، لم يكن بإمكان الفتيان الخروج بمفردهم أو السباحة عبر تلك المسافات. كما أن انتظار انحسار الأمطار لم يكن خيارًا آمنًا، مع استمرار احتمال ارتفاع منسوب المياه وتدهور الأوضاع داخل الكهف.

أمام هذا الوضع، بدأت عملية إنقاذ غير مسبوقة شاركت فيها فرق تايلاندية وخبراء من دول عدة، بينهم غواصون متخصصون في استكشاف الكهوف، وأفراد من القوات البحرية، وأطباء ومسعفون ومهندسون ومتطوعون.

عملت فرق على ضخ المياه وتقليل منسوبها، وأخرى تولت نقل أسطوانات الأكسجين والمعدات إلى أعماق الكهف، فيما استمر المختصون في دراسة الطرق الممكنة لإخراج المجموعة. كما جرى تجهيز فرق طبية وسيارات إسعاف خارج الكهف لاستقبال الفتيان فور خروجهم. كانت كل مجموعة تؤدي دورًا محددًا ضمن عملية واحدة، وكان نجاح أي جزء منها مرتبطًا بعمل بقية الفرق.

وفي الثامن من يوليو بدأت مرحلة الإخراج الفعلية. خرج أربعة فتيان في اليوم الأول، ثم أربعة آخرون في اليوم التالي، وفي العاشر من يوليو خرج بقية الفتيان ومدربهم. انتهت العملية بإنقاذ الأشخاص الثلاثة عشر، بعد أيام طويلة من القلق والعمل المتواصل. ولم تخل المهمة من التضحية، فقد توفي غواص سابق في البحرية التايلاندية يدعى سامان كونان أثناء مشاركته في إيصال إمدادات الأكسجين إلى داخل الكهف.

القصة تستحق التوقف عندها، ليس فقط بسبب نهايتها السعيدة، بل لأنها تكشف جانبًا مهمًا من إدارة الأزمات، وهو أن بعض المواقف لا يمكن التعامل معها بإمكانات جهة واحدة مهما بلغت كفاءتها.

ومن الدروس المهمة أن طلب المساعدة من الخارج لا ينتقص من قدرات الجهة المسؤولة. فالجهة التي تقود الأزمة ليست مطالبة بأن تمتلك جميع التخصصات داخل فريقها، بل أن تعرف أين توجد الخبرة التي تحتاج إليها، وأن تستفيد منها في الوقت المناسب. وقد كان وجود غواصي الكهوف المتخصصين عاملًا مهمًا في تنفيذ عملية لم تكن خبرة الغوص التقليدي وحدها كافية لإنجازها.

كما أظهرت العملية أن إدارة الأزمة لا تقتصر على من يوجد في موقع الخطر. فخلف كل عملية إنقاذ ناجحة فرق تعمل بعيدًا عن الأنظار، تتولى تجهيز المعدات، ونقل الإمدادات، وتقديم الرعاية الطبية، وتنظيم الاتصالات، ومتابعة الأحوال الجوية، وتوفير الدعم اللوجستي. وقد لا تظهر هذه الأعمال في الصور التي تنقلها وسائل الإعلام، لكنها جزء أساسي من نجاح المهمة.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في قدرة القيادة على اتخاذ قرار صعب في الوقت المناسب. ففي بعض الأزمات لا يوجد خيار خال من المخاطر، وقد يكون الانتظار أكثر خطورة من التحرك. عندها يصبح القرار بحاجة إلى معلومات دقيقة، وتقدير واقعي للعواقب، والاستماع إلى أصحاب الاختصاص، ثم تحمل مسؤولية الاختيار.

وتقدم هذه التجربة درسًا مهمًا للمؤسسات والجهات المعنية بإدارة الطوارئ التي تواجه مواقف تتطلب مشاركة جهات متعددة، سواء في الحوادث الكبرى أو حالات الإخلاء والإنقاذ. فلا يكفي أن تكون لكل جهة خطة مستقلة، بل ينبغي أن تكون هناك صورة مشتركة للموقف، وأدوار محددة، وقنوات اتصال واضحة، وتدريبات مشتركة تكشف جوانب القصور قبل وقوع الحادث.

كما أن التعاون بين الجهات لا ينبغي أن يبدأ عند وقوع الأزمة. فالتعارف المهني وتبادل الخبرات والتدريب المشترك وبناء الثقة بين الفرق، كلها أمور تحتاج إلى وقت وجهد قبل أن تصبح هناك حاجة إليها. وعندما تأتي اللحظة الصعبة، يكون من الأسهل على الفرق التي سبق أن تدربت أن تعمل بانسجام وأن تتفهم طبيعة مسؤوليات كل جهة.

خرج الثلاثة عشر من الكهف، وعادوا إلى أسرهم بعد تجربة لم تكن تخطر لهم على بال. وبقيت صور الغواصين وهم يتقدمون في الممرات المظلمة شاهدة على عمل جماعي شارك فيه أشخاص من ثقافات ودول وتخصصات مختلفة، جمعهم هدف واحد.

لم تكن البطولة في هذه القصة محصورة في غواص أو قائد أو جهة بعينها، بل في قدرة الجميع على العمل كفريق واحد رغم اختلاف الخبرات والمهام. وهذا أحد أهم معاني إدارة الأزمات، أن تتحول الإمكانات المتفرقة إلى قوة مشتركة، وأن يعرف كل طرف دوره، وأن تتقدم المصلحة العامة على أي اعتبار آخر.

في الأزمات الكبرى، قد لا تكون الجهة الأقوى هي التي تملك كل شيء، بل التي تعرف كيف تجمع ما لدى الآخرين من خبرة وقدرة، وتضعه في المكان المناسب وفي الوقت المناسب.