فقدت الخصوصية الاجتماعية المكانة التي كانت عليها في السابق، فمع اتساع استخدام منصات التواصل الاجتماعي، أصبح كثير من الناس يتعاملون مع تفاصيل حياتهم اليومية كمادة قابلة للنشر والمشاركة، دون إدراك لما قد يترتب على ذلك من آثار اجتماعية وأسرية ونفسية. تجاوز الأمر مشاركة المناسبات السعيدة والإنجازات الشخصية إلى نشر الخلافات العائلية، والمواقف الخاصة، وتفاصيل الحياة الزوجية، بل إن بعضهم لم يعد يجد حرجاً في عرض مشكلاته الشخصية أمام آلاف المتابعين.

ومن المؤسف أن بعض الممارسات تجاوزت حدود المشاركة الشخصية إلى انتهاك خصوصية الآخرين، من خلال تصوير الأشخاص دون إذنهم، أو نشر مقاطع لمواقف عابرة، أو تداول أحاديث ومراسلات خاصة، أو تحويل الخلافات الأسرية والزوجية إلى سجالات مفتوحة يتدخل فيها من يعرف أطرافها ومن لا يعرفهم، وفي مثل هذه الحالات لا يكون الضرر محصوراً في لحظة النشر، بل قد يمتد إلى سمعة الأشخاص واستقرار الأسر والعلاقات الاجتماعية التي يصعب ترميمها بعد أن تصبح تفاصيلها متاحة للجميع.

وفي المناسبات الاجتماعية والعائلية، تتحول كاميرات الهواتف إلى عدسات تجوب المكان بحثاً عن اللقطات، دون مراعاة لكبار السن أو الأشخاص المتحفظين الذين لا يرغبون في الظهور أو تداول صورهم، وقد يجد بعضهم حرجاً في الاعتراض مراعاةً للمناسبة، فيضطر إلى تغيير مكانه أو تجنب مواقع التصوير.


لماذا يفترض البعض أن حضور الإنسان مناسبة اجتماعية يعني موافقته الضمنية على تصويره ونشر صورته؟ توثيق المناسبات حق لأصحابها، لكنه لا ينبغي أن يكون على حساب حق الآخرين في خصوصيتهم، والاستئذان قبل التصوير والنشر ليس مجاملة عابرة، بل سلوكا حضاريا يعكس احترام الإنسان وتقدير مشاعره.

والأكثر خطورة أن بعض الآباء والأمهات ينشرون صور أبنائهم وتفاصيل حياتهم اليومية دون التفكير في حق هؤلاء الأبناء مستقبلاً في اختيار ما يريدون إظهاره عن أنفسهم، أو في احتمال تعرضهم للتنمر أو الاستغلال، فالطفل الذي لا يملك اليوم القدرة على اتخاذ قرار بشأن خصوصيته، قد يجد غداً أن تفاصيل من طفولته أصبحت متداولة في فضاء رقمي يصعب محو آثاره، ولا يمكن إغفال أن ثقافة الاستعراض والمنافسة على المشاهدات والإعجابات أسهمت في دفع البعض إلى تجاوز الحدود. فأصبح المعيار لدى بعض المستخدمين ليس قيمة ما ينشرونه، وإنما حجم التفاعل الذي يحققونه، حتى لو كان ذلك على حساب مشاعر الآخرين أو كرامتهم. وهنا تتحول المنصات من وسيلة للتواصل وتبادل المعرفة إلى مساحة لتضخيم الخلافات وصناعة الجدل واستثمار المواقف الإنسانية لتحقيق الانتشار.

المجتمع لا يحتاج إلى مزيد من كشف الأسرار وتداول العثرات، بقدر حاجته إلى ترسيخ ثقافة احترام الحياة الخاصة. فحرية النشر لا تعني انتهاك حقوق الآخرين، وما يصلح للمشاركة ليس بالضرورة صالحاً للنشر العام. كما أن وجود خلاف أو مشكلة لا يمنح أحد أطرافه حق التشهير بالطرف الآخر أو استدعاء الجمهور ليكون حكماً في شأن عائلي لا يعرف تفاصيله، ومن المهم أن تتكامل المسؤولية الفردية مع التوعية الأسرية والمجتمعية، فالصورة والكلمة والمقطع المنشور قد تبقى آثارها سنوات طويلة حتى بعد حذفها، والأنظمة التي تحمي الخصوصية وتجرّم التشهير وإساءة استخدام الوسائل التقنية لم توضع عبثاً، بل لحماية الحقوق وصون كرامة الإنسان.

الرقي الاجتماعي ليس بعدد المتابعين ولا بحجم المشاهدات ولا بقدرتنا على عرض تفاصيل حياتنا أمام الآخرين، وإنما بمدى احترامنا لأنفسنا ولخصوصيات الناس، وبقدرتنا على التمييز بين ما نعيشه وما ينبغي أن نحتفظ به لأنفسنا. فليست كل لحظة جميلة بحاجة إلى جمهور، وليست كل مشكلة بحاجة إلى منصة، وليس كل ما نعرفه يستحق أن نرويه.