يتعجب الإنسان من كثرة رواة التاريخ في هذا العصر، ممن وجدوا في وسائل التواصل ساحات يتنافسون عليها بحكايات تفتقد إلى مصداقية المصادر والوثائق.

فهناك من يخوض في التاريخ المحلي، بقصصه المحكية مغلفة بسرد لا يخلو من مبالغات، وهي ظاهرة يمكن تجاوزها من خلال الحوار، وتصحيح النقولات العشوائية، فلدينا ولله الحمد الجامعات والمراكز المتخصصة، والمهتمة بتاريخ أرضنا الطاهرة.

وآخرون وهم قلة يرددون مرويات استشراقية مغلوطة مضى عليها آلاف السنين، أوردها مستشرقون في كتبهم تحمل أهدافاً خبيثة، ونوايا سيئة، ويأتي للأسف الشديد من يتبنى صحتها، ويتحدث عن مواقعها.


يرى الدكتور مسعد العطوي أن هدف المستشرقين هو الإثبات التاريخي للاستيطان اليهودي في المنطقة، ولا شك أنها مقولة صادقة، فالاستعمار في قرون مضت، سعى جاهداً إلى الادعاء بحقوق دينية، وثقافية، وتاريخية في كثير من الدول، الأمر الذي مهد للغزو والتوسع في قضم الأراضي وتشريد السكان، وشرعنة الاستبداد، والسيطرة ونهب الثروات.

وأعتقد أن الوقت قد حان ليتوقف كل من يُلمح أو يُصرح في اللقاءات وكتابة المقالات، أو يؤلف كتاباً ينقل فيه تخرصات مستشرقين، بينما لم يأت أحد من المؤرخين في مؤلفاتهم القديمة بشيء مما نسمعه ونقرؤه اليوم، فما الفائدة من وراء تكرار روايات غير حقيقية، وخصوصاً أننا في عصر الإعلام الرقمي الذي يصنع من الحبة قبة كما يُقال، ويعزز في نفوس الطامعين المطالبة بأشياء يرونها حقوقاً لهم، وهي خرافات لا وجود لها؟

ولعله يتم الفصل في مثل هذه الأمور من قبل فريق علمي، يتكون من كبار المؤرخين وعلماء الآثار في بلادنا، الذين لهم باع طويل، وخبرات متراكمة وبحوث ودراسات لتصحيح تلك الروايات بالنفي أو الإثبات، بعد تطبيق منهج علمي دقيق، والاستعانة بالتقنية الحديثة، والتحليل الكيميائي، والذكاء الاصطناعي والأجهزة الذكية الخاصة بالاستشعار عن بعد، وأرى أن عملاً متكاملاً كهذا يغلق أبواباً لا فائدة من فتحها مستقبلاً.

يقول الدكتور زكريا هيبة في كتابه «أضغاث أفكار»: التعاطي مع التاريخ تعاطياً سردياً؛ يفقد التاريخ معناه وكنهه فوقائع التاريخ عائمات جليد، طرفها ظاهر فوق الماء، وكتلتها الرئيسة تحت سطحه ومن يريد استكشافها فعليه أن يغوص"، وعن أهمية التأكد من المصادر التاريخية قال مؤلف كتاب "السراج المنير في سيرة أمراء عسير" عبدالله بن علي بن مسفر، رحمه الله: ما رأيت روايتين متعارضتين إلا أخذت بأصحهما، وأسندت الرواية لأصحابها للأمانة العلمية وشدة الحرص على التثبت وصحة النقل.

وأضاف في كلمة تصدرت الكتاب: «إن دراسة التاريخ عامل مهم في جميع المجالات، ويوحي إلينا وإلى البشرية بالاعتدال، وإيثار الإنصاف في صدور الأحكام على الناس في جميع الأحداث».

وقد حذر مؤرخون مسلمون وعرب من كُتب المستشرقين، وما فيها من مرويات مدسوسة، لأنهم يوهمون الناس بأنها صحيحة، ويتلاعبون بأسماء المواقع، وهو ما يعني للأسف الشديد تزوير الجغرافيا.

.