أبدى أهالي مدينة أبها وزوارها سعادتهم بإعادة افتتاح حديقة الأندلس، عقب أعمال التطوير والتأهيل التي نفذتها أمانة منطقة عسير، والتي أسهمت في إحداث نقلة واضحة في مكونات الحديقة ومرافقها، حتى أصبحت أقرب إلى مفهوم الحديقة المتكاملة، بما توفره من بيئة جاذبة ومتنفس ترفيهي وجمالي يرتاده الأهالي والعائلات والزوار.

هذا التطوير يمثل خطوة إيجابية تستحق الإشادة والتقدير، ويعكس أهمية العناية بالمساحات العامة والارتقاء بجودة الحياة في المدينة، كما يؤكد أن تطوير الحدائق ليس مجرد إضافة تجميلية للمشهد الحضري، بل هو استثمار في الإنسان والمكان، ورافد مهم للحياة الاجتماعية والسياحية.

غير أن إعادة افتتاح حديقة الأندلس تفتح أمامنا ملفًا أوسع، يتعلق بواقع الحدائق العامة في أبها، ومدى ما تقدمه من خدمات ومرافق تتناسب مع احتياجات السكان، وتواكب المكانة السياحية التي تتمتع بها المدينة.


المتأمل في عدد من المواقع التي تحمل مسمى حدائق في أرجاء أبها، يلاحظ أن كثيرًا منها لا يتجاوز مساحات خضراء محدودة، أقيمت تحت أحد الجسور، أو في زاوية شارع، أو ضمن مساحة حضرية جرى تنسيقها بالأشجار والنجيلة وبعض عناصر التجميل.

ومع تقديرنا لهذه الجهود، وما تضيفه تلك المواقع من لمسات جمالية للمشهد العام، فإنها تظل في حقيقتها مسطحات خضراء أو مواقع تجميلية، ولا يمكن أن تحل محل الحديقة العامة بمفهومها الحضري والترفيهي المتكامل.

الحديقة ليست مجرد أشجار ونباتات ومقاعد متفرقة، إنما فضاء عام تتكامل فيه عناصر الجمال والراحة والترفيه، وتتوفر فيه البيئة المناسبة لممارسة الأنشطة الاجتماعية والرياضية، وقضاء أوقات ممتعة في الهواء الطلق.!

المعيار الحقيقي لنجاح الحدائق لا ينبغي أن يكون بعدد المواقع التي أُطلق عليها هذا المسمى، وإنما بمدى اكتمال مرافقها، وقدرتها على استيعاب مرتاديها، وتنوع الخدمات التي تقدمها لمختلف الفئات العمرية•

تطلعات أهالي أبها لا تتوقف عند إنشاء مسطحات خضراء أو تجميل بعض المواقع، بل تتجه نحو إيجاد حدائق عامة متكاملة، تتوافر فيها مجموعة من العناصر الأساسية، ومن أبرزها:

1. المساحات الخضراء: توفير مساحات طبيعية واسعة، تتنوع فيها الأشجار والغطاء النباتي، وتمنح الزائر فرصة الاستمتاع بالطبيعة والجلوس في أجواء هادئة.

2. ممرات المشاة: إنشاء ممرات آمنة ومهيأة للمشي والتنزه، تراعي كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، وتتيح ممارسة رياضة المشي في بيئة مناسبة.

3. مرافق الأطفال: تخصيص مناطق ألعاب آمنة ومجهزة، تتناسب مع مختلف الأعمار، وتوفر للأطفال مساحة للترفيه والحركة بعيدًا عن مخاطر الطرق والمواقع المفتوحة.

4. مناطق العائلات: توفير أماكن جلوس مظللة، وجلسات عائلية مريحة، ومساحات تسمح للأسر بقضاء أوقات ممتعة في خصوصية وراحة.

5. المرافق الخدمية: توفير دورات مياه نظيفة ومهيأة، ومصليات، ومياه للشرب، وسلال للنفايات، ومواقف سيارات كافية، مع الاهتمام بالنظافة والصيانة المستمرة.

6. المرافق الرياضية والترفيهية: إيجاد مساحات لممارسة الأنشطة البدنية، ومناطق للألعاب الجماعية، ومواقع مخصصة للأنشطة المجتمعية والترفيهية.

7. الإضاءة والسلامة: الاهتمام بالإنارة الليلية، وكاميرات المراقبة عند الحاجة، وسلامة الألعاب والممرات، وتوفير بيئة آمنة لمرتادي الحدائق في مختلف الأوقات.

8. الهوية الجمالية والبيئية: توظيف طبيعة أبها ومناخها وتضاريسها في تصميم الحدائق، واختيار الأشجار والنباتات الملائمة للبيئة المحلية، بما يحافظ على الهوية الطبيعية للمدينة.

ما يميز أبها عن كثير من المدن هو طبيعتها الجغرافية ومناخها المعتدل، وتنوع تضاريسها، ووفرة عناصر الجمال الطبيعي فيها؛ لذلك فالحدائق العامة ينبغي ألا تكون مجرد نماذج متكررة من المسطحات الخضراء التقليدية، بل يجب أن تستثمر هذه المزايا في تصميم حدائق ذات طابع خاص، تجمع بين جمال الطبيعة وابتكار التصميم وجودة المرافق.

ومن المهم أن تتجه الأمانة إلى إنشاء حدائق نوعية في مواقع مختلفة من المدينة، بحيث تكون موزعة جغرافيًا بصورة عادلة، وتخدم الأحياء السكنية، ولا تقتصر على المواقع المركزية أو السياحية.

كما أن بعض المواقع ذات المساحات المناسبة يمكن أن تتحول إلى حدائق عائلية واسعة، فيما يمكن تطوير مواقع أخرى لتكون متنفسات رياضية أو بيئية، مع الاستفادة من طبيعة المواقع المرتفعة والإطلالات الجبلية، حيثما تسمح الاشتراطات الفنية والبيئية بذلك.

ومن المهم ألا ينتهي الاهتمام بالحدائق عند افتتاحها، فالتحدي الحقيقي يكمن في المحافظة على مستواها بعد التشغيل، من خلال برامج صيانة دورية، وعناية مستمرة بالأشجار والمسطحات الخضراء، وصيانة الألعاب والمرافق، ومتابعة النظافة والإنارة ودورات المياه.

فالحديقة التي تُفتتح بمظهر جميل ثم تتراجع خدماتها مع مرور الوقت لا تحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها.ولذلك فإن جودة التشغيل والصيانةلا تقل أهمية عن جودة التصميم والتنفيذ.

كما أن إشراك المجتمع في تقييم مستوى الخدمات، والاستماع إلى ملاحظات الأهالي والزوار، وتحديد أولويات التطوير وفق احتياجات الأحياء، يمثل ركيزة مهمة في نجاح هذه المشروعات واستدامتها !

إذ نقدر ما تبذله أمانة منطقة عسير من جهود في تطوير المشهد الحضري، ونتطلع إلى أن تكون حديقة الأندلس بداية لبرنامج أكثر شمولًا، يعيد النظر في واقع الحدائق العامة بأبها، ويعمل على تطوير المواقع القائمة وتأهيلها، بدل الاكتفاء بتسميتها حدائق دون اكتمال عناصرها ومرافقها.

نأمل وضع خطة واضحة لتصنيف الحدائق والمتنفسات العامة بحسب مساحاتها ووظائفها ومستوى خدماتها، وتحديد المواقع التي تحتاج إلى إعادة تأهيل، والمواقع التي تستحق التوسع، مع إعلان أولويات التطوير ومراحل التنفيذ .

لا نطالب بمشروعات ضخمة بقدر ما نتطلع إلى تخطيط سليم، وتنفيذ متقن، وتوزيع عادل للخدمات، واهتمام حقيقي بالتفاصيل التي تصنع الفارق في حياة الناس.!

أخيرًا... حديقة الأندلس اليوم تقدم صورة جميلة لما يمكن أن تكون عليه حدائق أبها، لكن طموحنا أكبر من حديقة واحدة، وتطلعات الأهالي والزوار تتجاوز موقعًا بعينه إلى أن تصبح الحدائق العامة جزءًا أصيلًا من هوية المدينة ومقومات جودة الحياة فيها.

فأبها التي تستقبل زوارها بجمال طبيعتها واعتدال مناخها، تستحق حدائق تليق بمكانتها، وتوفر لأهلها وأسرهم متنفسات حقيقية يجدون فيها الراحة والمتعة، ويجد فيها أطفالهم فضاءً آمنًا للعب، ويجد فيها زوارها تجربة تضاف إلى جمال رحلتهم.