(1)

عشقتُ الأردن من أول نظرة، وكنتُ أتردد عليها سنويًا منذ عام 2006، قبل أن تصبح الزيارات متقطعة. عشقتُ «عمّان»؛ مدينة كل شيء وكل حي، حيث كنتُ لا أتوقف عن التجوال في أزقتها، وكانت «الجبيهة» و«الصويفية» بمثابة حضن دافئ. قبل أن أقع في غرام «مدينة الفسيفساء» الفاتنة «مأدبا» المبللة بالحب، و«ممر العشاق» الذي يأسرك ببساطته المتناهية، وناسه الطيبين، ومقاهيه، وكنائسه العشر، وصولًا إلى «البحر الميت» الذي يحيي فيك روح القصيد، ومعه إربد، وعجلون، وجرش، وأشجار الصنوبر والزيتون، والبندورة، والقهوة!

(2)


عندما تنطلق جنوبًا نحو «البتراء»، على بُعد 250 كيلومترًا من العاصمة، يتجلى التاريخ الموغل، والجمال والذهول؛ حيث «الخزنة» المدرجة على لائحة التراث العالمي بوصفها إحدى عجائب الدنيا السبع الجديدة. هناك تجد «العالم» كله؛ يرتدون «الشماغ» الأردني الأحمر، ويرددون أغاني الفنان «عمر العبداللات». التقيتُ هناك بشاب ألماني يتحدث «اللهجة الأردنية» بطلاقة ويغني أغاني أردنية وسعودية، وسط ضحكات شبان يساعدون السياح في جولاتهم، وهم شبان أدنيون رائعون يتحدثون بلغات عالمية شتى!

(3)

في الطريق إلى البتراء، تتجلى في الأفق «قلعة الكرك»، والكرك مدينة ساحرة تجولتُ بها عام 2008، وهي تشبه «مأدبا» في كونها جنة للتعايش والمحبة؛ تعايشٌ باذخ إلى حد أنك لا تستطيع فيه التمييز بين أبنائها، فالجميع «يترنم»، والجميع يصلي على محمد ﷺ!

(4)

ما حدث في كنيسة «القديس جاورجيوس» في قرية «حمود» بمحافظة الكرك، يوم الجمعة 23 أكتوبر، أمر يستهدف الأردن كدولة والأردنيين كمجتمع متجانس، عصي على الانقسام. فعندما يئس الشيطان من تمزيق هذا النسيج، لجأ إلى «التحريش»، ولكن هيهات! فالإرهاب حين ينفث سمومه في «المساجد» أو «الكنائس» تحديدًا دون غيرها، فهو يعلن عداءه الصريح للدولة والمجتمع بأسره، بغض النظر عن الدين أو الفكر. لا مجال هنا للمزايدة أو التصيد؛ فـ«النشامى» بوعيهم حاضرون.

(5)

«التطرف» قبيح؛ والاعتداء الآثم على كنيسة في يوم جمعة مبارك، وفي لحظات مهيبة لتشييع جثمان، أودى بحياة 9 شهداء وأوقع 25 مصابًا. لكن تلك الطفلة المكلومة التي تحتضن صورة أبيها الراحل، ستجد حتمًا من يبلل قلبها، لا سيما بعد إلقاء القبض على هؤلاء «السفلة».

(6)

قال تعالى؛ ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا﴾. وقال نبي الرحمة محمد ﷺ: «اخرجوا باسم الله، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع». وعند فتح بيت المقدس، نصت عهدة الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على أنه: «لا تُسكن كنائسهم ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيِّزها».