عمر المشاري

يتهاون بعضهم فيطلق للسانه العنان، متشائماً بوقوع الشر عليه في مستقبل أيَّامه، فقد يُبتلى بما يقول، وقد لا يُبتلى، والسلامة لا يعدلها شيء وأفلح من حفظ لسانه إلا من خير يتكلم به، قال الشاعر:

احفظ لسانك لا تقول فتبتلى إنَّ البلاء موكَّل بالمنطق

وقال آخر:

لا تنطِقنَّ بما كرهتَ فربَّما عبث اللسان بحادثٍ فيكونُ

وقال المؤمِّل الشَّاعِر:

شَفَّ المؤمِّلُ يَوْمَ الحِيرة النظرُ ليت المؤمّل لم يُخلق له بصر

فلم يلبث أن عمي فما نفعه قوله، بل أضرَّ به فعميَ بعد إبصار، وروي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه قال: «البلاء مُوكَّل بالقول» ويشهد لمعناه حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على رجل يعوده، فقال: «لا بأس طهور إن شاء الله» فقال: كلا، بل حمى تفور، على شيخٍ كبيرٍ، كيما تزِيرَه القبور، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فنَعَمْ إِذًا» رواه البخاري وفي زيادة عند الطبراني: قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إذا أبيت فهي كما تقول، وما قضى الله فهو كائن» قال: فما أمسى من الغد إلا مَيِّتا. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «قد يجعلُ الله سبحانه تطيُّر العبد وتشاؤمه سببًا لحلول المكروه به، كما يجعلُ الثِّقة به والتوكُّل عليه وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفعُ بها الشرَّ المتطيَّر به». فقل قولاً فيه تفاؤل وخير، وأبشر بالخير إن شاء الله. قال الماوردي رحمه الله: «وأما الفأل ففيه تقوية للعزم وباعث على الجد ومعونة على الظفر، فقد تفاءل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته وحروبه. وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع كلمة فأعجبته فقال: «أخذنا فألك من فيك». فينبغي للمرء أن يكون في نطقه التفاؤل وحسن الظن، ولا يتشاءم أو يتوقع الشر، بل ينتقي أجمل العبارات وأكثرها لطفاً وإيجابية. قال النخعي رحمه الله: «إني لأجد نفسي تحدثني بالشيء فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به». فليجتنب كل منَّا أيَّ لفظ فيه تشاؤم وتوقع للشر، وحصول الضر، فتفاءل بالخير دائماً، تفاءل بالتوفيق والربح والعافية وصلاح الحال والذريَّة، وأنت أيَّها المكروب تفاءل بالفرج قال الشاعر:

كلُّ كربٍ أنت لاقٍ بعد بلواه انفراجاً

وقال آخر:

إذا تضايق أمرٌ فانتظر فرجاً فأصعب الأمر أدناه من الفرج

وأنت أيها المدين تفاءل بقضاء دينك وسداده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله». وأنت أيها المريض تفاءل بالشفاء قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء)، وليحذر أقوام شرَّ ألسنتهم وليحبسوها إلا عن الخير، وكما قيل: العاقل من عقل لسانه إلا عن ذكر الله.