ميسون الدخيل

عندما اجتمع المختصون في مجال التربية الخاصة عام 1990م خلال المؤتمر الذي أقيم في «سلمنكا» (Salamanca) بإسبانيا تحت مظلة منظمة اليونسكو ووزارة التعليم والعلوم الإسبانية، لم يخطر في بالهم أنهم سوف يضعون حجر الأساس لمفهوم سوف يتطور ويشمل شرائح أوسع مما جاؤوا في الأصل لمناقشة حقوقها التعليمية، فقد خرجوا علينا بمفهوم جديد: «التعليم الشامل» (Inclusion in Education)، وبدأت الدول تعمل على تحقيق ذلك من خلال إصدار العديد من القوانين والتشريعات الخاصة بالمدارس، وخاصة مدارس التعليم العام، وبعدها بعدة عقود تمت إضافة مفهوم «الإنصاف» (Equity) في التعليم، وبدأ الجميع يعمل على قياس ما تقدمه المدارس من خدمات لتحقيق هذين الهدفين، وذلك من خلال وضع معايير ومؤشرات الأداء، ولكن الذي يهمنا اليوم ونحن نمر بهذه الجائحة أن نتساءل: هل تلك المؤشرات تغطي التغييرات التي حدثت في مجال التعليم جراء الجائحة، كالتحول إلى التعليم عن بعد؟

فماذا نعني بالتعليم الشامل؟ وماذا نعني بالإنصاف؟ التعليم الشامل يعني أنه يتم قبول وتسجيل جميع الطلبة من قبل المدارس التي تقع في الأحياء التي يسكنونها، في فصول منتظمة ومناسبة لأعمارهم، ويتم دعمهم من أجل التعلم والمساهمة والمشاركة في جميع جوانب حياة المدرسة، وهذا يعني أن يصاحب ذلك تطوير وتصميم المدارس والفصول الدراسية والبرامج والأنشطة بحيث تمهد وتسهل أن يتعلم جميع الطلبة من خلال التفاعل والمشاركة مع بعضهم البعض، والتعليم الشامل يعمل على ضمان وصول التعليم الجيد إلى جميع الطلبة من خلال تلبية احتياجاتهم المتنوعة بشكل فعال وبطرق تستجيب وتتقبل وتحترم وتدعم على حد سواء، بحيث يتم التفاعل ضمن برامج التعليم ضمن بيئة تعليمية تشاركية، إضافة إلى الدعم اللازم لتقليل وإزالة أي حواجز أو عقبات قد تؤدي إلى استبعاد أي منهم، وهذا يعني التركيز على تقديم بيئة تعليمية تحفز التعلم للطلبة من خلفيات وقدرات مختلفة في بيئة شاملة للجميع من غرف دراسة، ومكتبات، وصالات ألعاب رياضية، وملاعب، ومقاصف أو مطاعم، وبالتالي يصبح كل ما يخص المجتمع المحلي للمدرسة بيئة تعلم مشتركة للجميع.

أما الإنصاف فهو العدالة وفقا للقانون الطبيعي أو الحق؛ أي التحرر من التحيز أو المحسوبية، وهنا قد نقترب من مفهوم المساواة في التعليم، ولكنه أعمق وأدق، لماذا؟ لأن المساواة في التعليم تتطلب وضع أنظمة لضمان حصول كل تلميذ أو طفل أو طالب على فرصة متساوية في النجاح، بينما الإنصاف يشمل التحديات والحواجز الفريدة التي يواجهها بعض الطلبة والتلاميذ أو مجموعات منهم، بحيث يحتاجون إلى تقديم دعم إضافي لمساعدتهم في التغلب على تلك الحواجز، وقد لا يضمن ذلك نتائج متساوية، ولكن المطلوب هنا السعي إلى ضمان حصول كل منهم على فرص متكافئة للنجاح.

وضع أحد المفكرين في الإدارة مقولة تستخدم كثيرا من قبل مديري ورؤساء الشركات: «ما يمكن قياسه تَمكن إدارته»! السؤال هنا: هل نحن في وضع يمكننا من قياس ما يُقدَّم؟ وما الذي نبحث عن قياسه؟ النتائج، المصادر، التمويل، الدعم الأكاديمي؟ ولكي نحقق العدالة الحقيقية فإنه يجب علينا النظر في كل هذه الجوانب معا، وأكثر، من ناحية المؤسسة التعليمية، ومن ناحية الطالب كوحدة منفردة وليس كجزء من مجموعة، وماذا عن أداء المعلم من حيث الابتكار والإبداع والاحتواء والتفاعل والتأثير على المدى القريب والبعيد وحتى الخيال، هل نستطيع قياس ذلك، هل نفكر فيه حقا؟ بل هل يتم الأخذ بعين الاعتبار كمية الحرق والضغط التي يتعرض لها، وخاصة أنه لم يعد منفردا في فصله، بل أصبح يعرض على الشاشة ويصور، ويتم التندر به وبمعلوماته، من خلال مقاطع مجتزأة، وإذا أخطأ تم نشر هذا الخطأ في وسائل التواصل الاجتماعي، وفجأة أصبحت الغالبية الناقدة أفضل من يتصرف تحت الضغط بعيدة كل البعد عن أن تخطئ!

إنها أمور لا تؤخذ بالحسبان طالما أنها خارج إطار مؤشرات الأداء التي تم وضعها، ولا تقاس بأرقام، فتصبح خارج الحساب، وربما تهمل! والخطر أيضا في أن التركيز قد يتم على مؤشرات ليست بذات القوة في التأثير على تغيير السلوك أو تطويره للطالب أو المعلم، ولكن بما أنه من السهل جمعها وعرضها فإنها تتم بغض النظر عما إذا كانت تفسيراتها قد تضر أكثر مما تفيد!

ما يجب أن نقيسه هو ما نُقدّره وليس ما نَقدِر عليه! وما نحتاج أن نجمعه هو البيانات المطلوبة التي تغطي تقدم المتعلم والمعلم والمجتمع الحاضن، بيانات تساهم في التقييم السليم لتأثير التدخلات، ومراجعة فعالية السياسات المتبعة من قبل نظام المدرسة التعليمي، والعمليات المنفذة، والتي على أساسها يتم التخطيط لمبادرات جديدة، وهنا إذا كان ذلك مبنيا على مؤشرات أداء محدودة وغير ملائمة فإن ما يحدث أنه بدلا من تعزيز الشفافية والمساءلة قد يؤدي إلى إخفاء أكثر مما يكشف بحيث تتم التفسيرات الخاطئة التي بدورها تأخذ بالمعنيين من طالب وإدارة وهيئة تعليمية ومجتمع حاضن إلى مسار مختلف تماما عما يجب أن يكونوا عليه! لا نريد أن نكون كمن يتمسك بمقولة: «بما أنه لا يتعلق بمؤشرات الأداء التي حددت مسبقا، إذًا هو خارج دائرة الاهتمام»، حقا؟! ماذا لو كانت تدلنا على المجموعات المعرضة لخطر التهميش أو الإقصاء أو التحصيل؟! أو مقولة: «ما يتم قياسه يمكن إنجازه»! حقا؟! هل قدرتنا على قياس سرعة سير الكواكب تمكننا من التحكم فيها؟! هل نحتاج أن نضيع الوقت والجهد والمال في إحصاءات لا تقدم ولا تؤخر، ولكنها فقط تُقدّم في جداول معقدة ومركبة، قد لا يفهمها إلا واضعوها، وقد تُحوّل إلى رسوم بيانية ملونة زيادة في الإبهار!

هذا وقت تفعيل التعليم الشامل والإنصاف ومتابعة تنفيذه، وأهميته تكمن في مواجهة تحديات التعليم في زمن الجائحة، فنحن لا نريد قطعيّا تسرب، أو انقطاع، أو ضياع فرص التعلم من أي طالب أو تلميذ بغض النظر عن قدراته، ومهاراته، واستعداداته الجسدية والفكرية والمادية، وحتى تحديات الحالات الاجتماعية المتنوعة التي قد يعيشها الكثيرون منهم، وخاصة في هذه الأيام، والأهم من ذلك أننا لا نريد أن نضيع قلب العملية التعليمية من معلمين ومعلمات ونتركهم للحرق الجسدي والمعنوي دون تقديم كل أشكال الدعم، ولن يتم أي منها إن اعتمدنا على مؤشرات أداء ضعيفة وإهمال المؤثرة، أو تم إهمال دعم وتحفيز ما يحرك إنجازها.