فؤاد شاكر*

أقبلنا على الخرج من بعيد فكأننا أقبلنا على قرية خصبة من قرى الريف الخصيب، ورأينا آثار تلك الخصوبة تتجلى فيما نشاهد من مزارع وحقول وكان ذلك المنظر يختلف في مشهده وعلاماته عن سائر ما رأينا من بوادي الصحراء، لأن دلائل الحياة والإنعاش في تلك الصورة الرائعة لها مظهر يبعث في نفس رائيها اليقين بحقيقة خصبها، أما البادية الجرداء أو المعشوشبة فمرآها في العين يختلف عن ذلك كل الاختلاف، فنحن إذ نقبل على الخرج لا نشك أننا نقبل على قرية آهلة بالسكن والخصوبة والعمران، فهؤلاء المزارعون منتشرون من مسافات بعيدة وعلى مساحات مختلفة، ترى فيهم روح الحياة والنشاط والعمل، وتلك مواشيهم وأباعرهم وغيرها من الدواب، تشاركهم الدأب والسعي والعمل والإثمار والإنتاج، وفي تلك الحالة الزاهية الناضرة لا نرى للفقر شبحا ولا تشعر برثاء أو إشفاق نحو أولئك السكان كما هو الشعور نحو غيرهم من أعراب البادية الرحل الذين يعيشون على التنقل في طلب العشب واصطياد الكلأ والمرعى، وانتجاع من مظانه ومراميه السحيقة غير المستقرة، بل إنك لتغبط أولئك السكان المستقرين بين الخصوبة وبين وسائل الحياة المواتية الريفية الجميلة المستقرة.

وكأن أول ما شهدناه من أسباب الخصوبة في الخرج مجرى عين ماء يقع على مسافة ميل منها، وهو مجرى مستور بالبناء وموطأ في ناحية من نواحيه لاجتياز السيارات، إذ هو يعترض طريقها، وقد قال لنا حضرة صاحب الجلالة الملك فيما بعد: إن جلالة والده الإمام عبدالرحمن، رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته هو الذي أصلح مجرى ذلك العين وأقامه للانتفاع بمياهها في الري والسقيا هناك، وكنا كلما نقترب من المدينة الزراعية رأينا نشاط مظاهر الخصوبة تدنو إلينا أو ندنو منها، حتى أصبحنا وجهاً لوجه أمام حدائق غناء نثرت فيها شجيرات النخيل ومن بينها المزروعات الأخرى من شجيرات الفاكهة، وبين ذلك كله قنوات عريضة تجري فيها المياه، كأنها فروع من نهر، كما هو الشأن في توزيع مياه الري والسقيا في بلاد الأنهر الزراعية، وبعد دقائق معدودة رأينا أنفسنا أمام قصور شاهقة، ومبان عديدة متفرقة فعلمنا أننا ألقينا عصا التسيار، وأن هذه هي ضالتنا من الرحلة، ولم يطل بنا التفكير حتى وقف الموكب أمام القصر الملكي الذي أعد لنزول جلالته، حيث شرف إلى الطابق العلوي ومن في معيته وقصد إلى مجلسه الحفيل، وهو عبارة عن غرفة كبيرة المساحة لا يقل طولها عن عشرين مترا في عرض ثمانية أمتار.

وتفرق من في معية جلالته على غرف القصر وأبهائه الفسيحة، وهم يبلغون المئات من الأشخاص، وهناك في يمين القصر شرفة مكشوفة تواجه الهواء، يتألف منها مجلس يزيد طوله على العشرة أمتار ولا يقل عرضه عن الأربعة، وهذا المجلس بتلك الشرفة يفصل بين غرفة الاستقبال الكبرى في القصر وغرفة الطعام وكلاهما في مساحة واحدة، وكانت تلك الشرفة بمثابة مجلس استراحة لتناول القهوة بالنظر لجودة موضعها وتعرضها لطلاقة الجو ورقة الهواء الشمالي الذي يهب من ناحيتها.