أصيل الجعيد

بدأت ممارسة القضاء تاريخيا بالاستماع للمتخاصمين وتمكينهم من بسط مظالمهم ومطالبهم شفاهة غير مكتوبة، وتعد هذه أول أشكال المرافعات القانونية عبر التاريخ، فلم تكن كتابة الشكاوى أو اللوائح معروفة في مجالس القضاء. ولكننا نشهد في محاكمنا اليوم تراجعا واضحا للمرافعات القانونية إذ حلت محلها تدريجيا اللوائح المكتوبة، فأصبح القاضي يطلب كل طرف أن يأتيه برده مكتوبا، وقد يطرح سؤالا أو عدة أسئلة ثم يرفع القضية للتأمل وإصدار الحكم، دون طلب المرافعة الشفهية المتعارف عليها في معظم دول العالم.

غياب المرافعات الشفهية أدى لحدوث اختلافات في شكل التقاضي، إذ إن فهم القارئ للورق قد يختلف من شخص إلى آخر، بخاصة كلما احتوت اللوائح على مفاهيم واصطلاحات أكثر تخصصا في مجالات مختلفة، وهنا تبرز الحاجة لوجود مرافعة ابتدائية شفهية يوضح فيها المحامي أو المدعي العام رأيه أو دفوعاته، وكذلك من المهم أن يقوم القاضي بما يسمى التحقيق النهائي، وهي مرحلة لاحقة يتقصى فيها مزيدا من التفاصيل ليتلافى بذلك أكبر قدر مما قد يلحق بالقضية من إشكالات الضبط الجنائي أوالكتابة المقدمة من الادعاء.

كما أدى إهمال المرافعات القانونية إلى نشوء سوق محاماة هامشي ينشط فيه أصحاب المظلات والمتدربون الذين يقومون بدور أشبه بدور المراسل الذي يسلم اللائحة للمحكمة، ويحضر الجلسة صامتاً، وقد لا يعرف ما هي القضية التي يحضرها أصلا. كما تسند بعض المكاتب كتابة اللوائح لأشخاص وافدين، يعملون في السكرتارية فلا تكون لديهم المعرفة الكاملة بالثقافة القانونية السعودية.

وقد اطلعت بحكم عملي على لوائح أشبه بالقوالب الفنية الجاهزة، تعتمدها بعض المكاتب، فيقومون بتكرارها لأكثر من عميل مع تغييرات طفيفة لمحاولة ملائمة كل حالة.

المرافعات أمام منصة القضاء هي فن من فنون القانون، يتمرس عليها المحامون والمدعون العامون، فيقدمون فيها خلاصة خبرتهم وتحرياتهم، ويكونون بذلك عونا للقاضي في إيضاح تفاصيل القضية كافة، التي قد لا تكشفها قراءة اللوائح.

كما أنها جزء من هيبة مشهد المحاكمة، وأداة من أدوات تقصي الحقيقة والتعمق لسبر أغوار الموضوع.

ختاما نحن في مرحلة متقدمة، نحاول فيها تحسين ممارساتنا المهنية في كل المجالات، ولا شك أن إنعاش آليات الترافع وتطويرها سيشكل فارقا كبيرا في العمل القانوني السعودي، وسوف يثري أرشيف المحاكم السعودية، ويكشف عن الكفاءات القانونية الوطنية.