مريم النويمي

طالب متقدم لكلية الطب ينصح صديقه، إن لم يجد له مكانا في كلية الطب البشري، بأن يقدم على كلية التمريض، ولا يفكر في دخول كلية طب الأسنان، على الرغم من معدله العالي الذي يؤهله ليكون طبيبا، فلماذا يا ترى أوصى الطالب صديقه بعدم التقدم لكلية طب الأسنان إذا كانت هي خياره الوحيد ليكون طبيبا؟!، وما الذي دفع طالب أطلق عليه أهله لقب «دكتور»، منذ حصوله على درجات تؤهله لدخول كلية الطب، أن يفضل أن يكون ممرضا على أن يكون طبيب أسنان؟!، مع العلم أن التمريض مهنة الرحماء، إلا أن لقب «الدكتور» أكثر جاذبية للأغلبية.

لا يخفى على أحد ما يعانيه أطباء الأسنان من صعوبة في الحصول على وظيفة بعد التخرج، فهم ليسوا كزملائهم خريجي كلية الطب البشري والجراحة العامة أو زملائهم من كلية العلوم الطبية التطبيقية والتمريض، فهؤلاء فرصهم أكبر في التوظيف. كيف تزداد نسبة البطالة بين أطباء الأسنان في مجتمع 93% من أطفاله يعانون تسوس الأسنان، وتعتبر نسبة تسوس الأسنان في المملكة من أعلى النسب في العالم، كما أوضحت وزارة الصحة أخيرا؟!.

على الرغم من أنه تم طرح قرابة ألفي وظيفة طبيب مقيم أسنان خلال 2020، فإن عدد أطباء الأسنان الذين تقدموا لهذه الوظائف كان ضعف هذا العدد، وكان من بين المتقدمين لهذه الوظيفة طبيبة أعرفها بفضل الله تم توظيفها بعد قرابة أحد عشر عاما من التخرج، وكي لا تنسى خلال تلك السنوات مارست الطب في مراكز خاصة براتب زهيد، وتم توظيفها في مدينة طرفية، وخافت إن لم تقبل بتلك الفرصة الوظيفية أن تبقى أعواما أخرى فوق الأحد عشر، ولا أعرف حينها إن كان سيبقى لديها الشغف نفسه لمهنتها.

لدينا 26 كلية طب أسنان، 18 منها حكومية و8 خاصة، ويتخرج فيها ما بين 2000 و3000 طبيب سنويا. وحسب تنبؤ إحصائي للقوى العاملة، فإن عدد أطباء الأسنان السعوديين في 2027 سيكون 21800 طبيب وطبيبة، بالإضافة إلى 388 طبيبا غير سعودي، لتحقيق نسبة طبيب واحد لكل 2000 نسمة، أي 1 ـ 2000، وهي قريبة من التوصيات العالمية (1 ـ 1700).

على الرغم من قرار توطين مهن طب الأسنان في المنشآت الصحية الحكومية، وقرار عدم استقدام أطباء أسنان من الخارج، فإن أزمة أطباء الأسنان ما زالت مستمرة، فهل المشكلة في عدد خريجي كليات طب الأسنان الذي يفوق عدد الفرص الوظيفية المتاحة؟!، بمعنى أن العرض أكثر من الطلب. لا أعتقد ذلك، بما أننا لم نحقق بعد النسبة الموصى بها عالميا، وصحة الفم والأسنان لدينا متراجعة. لو أننا راجعنا عدد خريجي كليات الطب بنوعيها (البشري والأسنان) قبل أعوام، لوجدنا أن عدد الخريجين تضاعف عدة مرات، ولم تتزايد المنشآت الصحية بالنسبة نفسها، لتستوعب هذه الزيادة على الرغم من التزايد السكاني، لذلك يجب على كليات طب الأسنان تقنين عدد طلابها للحد الأدنى، حتى يتم استيعاب خريجي السنوات السابقة، أو عدم إنشاء المزيد من كليات طب الأسنان في الوقت الحالي، وزيادة عدد مراكز الأسنان التخصصية الحكومية، للتوظيف والتدريب. وأرى أن تشترط وزارة الصحة على المراكز الخاصة توظيف أطباء أسنان سعوديين بنسب معينة، على أن لا تقل رواتبهم عن نظرائهم في المنشآت الحكومية أو ما يقاربها، فرواتب أطباء الأسنان السعوديين في المراكز الخاصة ما بين 4 و5 آلاف ريال شهريا، وهذا لا يتماشى مع قيمة الشهادة المحمولة أو الجهد المبذول، لذلك آمنت بنصيحة طالب الطب المستجد، هروبا من بطالة فاخرة أو راتب زهيد.