مريم النويمي

من مهام الدماغ المعقدة، تخزين المعلومات واستدعائها وقت الحاجة إليها، المهمة التي جعلت الإنسان قابلًا للتعلم، المهارة التي استخدمها آدم حينما علمه الله الأسماء كلها، ثمّ قال له (أنبئهم بأسمائهم)، فاستدعى ما تعلمه وأنبأهم. (منطقة الحصين)، المنطقة المسؤولة عن الذاكرة، منطقة عميقة في الدماغ، يتم تنشيطها خلال 100-200 مللي ثانية لاستدعاء المعلومة من خلال عملية بحث الذاكرة، حيث إن المللي يعادل واحدًا من ألف من الثانية، عملية معقدة وسريعة، هذه القدرة مكنت الإنسان من سرعة التعلم والتطور.

نتذكر أحيانًا أحداثًا بعيدة بكل تفاصيلها، حتى أحداث أول يوم لنا في المدرسة، وشعور تلك اللحظة، بينما ربما ننسى تفاصيل يومنا في العمل، ذاكرتنا انتقائية، وهناك ذاكرة طويلة الأمد، تبقى مخزنة لوقت طويل حتى تتلاشى بعامل العمر والهرم، وهناك ذاكرة قصيرة الأمد، لا تبقَى طويلًا، ولكن من الممكن أن يتحول جزء منها للذاكرة طويلة الأمد. حتى الحواس لها ذاكرة، فعطرٌ معين مرتبط بذكرى معينة نعيشها كلما مرت بنا رائحة العطر، و أماكن ترتبط بأحداث معينة نسترجعها كلما مررنا بالمكان ذاته، لا تتعجب إذا قلت أن ذاكرتنا تستطيع معرفة الذكريات السيئة وتقمعها، تحاول نسيانها، وتعزز الذكريات الجيدة بالذات أثناء النوم، ربما هذا السبب يجعل الأشخاص الذين يمرون بظروف صعبة يلجأون إلى النوم حيث تجدد الذاكرة نفسها.

الذاكرة تبدأ بالهرم كأي شيء، بالذات بعد عمر الأربعين، لأن الدورة الدموية تقل متأثرة بعملية هرم الخلايا بتقدم العمر، ولأن تدفق الدم وعملية الأيض أكثر نشاطًا في أدمغة النساء عنها في أدمغة الرجال، يبقين النساء بصحة ذهنية وإدراكية أفضل حتى مع تقدم العمر، ولكنهنّ أكثر عرضة للزهايمر من الرجال حين يهرمنّ.

إذا كان للدماغ كل هذه القدرة على استدعاء الذاكرة، فلماذا ننسى، حتى أبسط التفاصيل، كأين وضعنا مفاتيحنا؟! أو نفشل في تذكر اسم شخصٍ ما، أو تفاصيل حدثٍ ما!

كان الناس يحفظون أرقام هواتف بيوت الأقارب والجيران، والآن البعض يخطئ في أرقام هاتفه الشخصي! أصبح الإنسان يعتمد على ذاكرة خارجية، تحفظ عنه الأرقام، والأسماء والمواعيد، وتحل بدلًا عنه المسائل الحسابية، وفي كثير من الأحيان تأخذ عنه عبء الاحتفاظ بالذكريات، فتتلخص في صورة التقطها بجهازه المحمول، أجهزتنا الذكية أصبحت هي الذاكرة. اكتشفت بعض الدراسات الحديثة أن التفاصيل الدقيقة تُنسى إذا التقطنا الصور ولم تخزن أدمغتنا معلوماتها، كذلك تضعف ذاكرتنا إذا لم نجد استخدامها واعتمدنا على أجهزتنا في مهمة التذكر، كأي شيء لا تستخدمه تقل فعاليته وتتدهور حالته، كذلك ذاكرتنا ومداركنا، مثلًا باستخدام الأجهزة المحمولة، نحن نصرف انتباهنا عن عيش التجربة واللحظة ذاتها وننشغل بالجهاز نفسه، ربما بإخراج الصورة أو اختيار زاوية أفضل للتصوير، أو لمجرد كتابة (بوست) على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، هذا لن يجعلنا نتذكر تفاصيل اللحظة لأننا لم نعشها بعمق تختزنه الذاكرة، لم نكوّن إحساسًا يستدعي الذاكرة، نحن نستخدم ذاكرة أجهزتنا الذكية بدلًا عن ذاكرتنا، وإن امتلأت اشترينا مساحة أكبر! فهناك دائمًا ذاكرة بديلة.

أثبتت الدراسات أيضًا أن أولئك الذين يقضون وقتًا أطول على أجهزتهم الذكية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، عادة ينامون متأخرًا ويحظون بساعات نوم أقل ويعانون من الأرق، وهذا يؤثر سلبًا في الذاكرة، حيث إن جودة النوم من أسباب جودة الذاكرة وتحسينها.

لا يُنصح بأن تكون أجهزتنا الذكية هي آخر ما نودعه ليلاً قبل النوم وأول ما نستقبل به الصباح، عند الاستيقاظ، اعطي وقتًا لحواسك لتتعافى وتنشط.

أيضًا للحفاظ على صحة ذهنية وذاكرة جيدة وللتقليل من فرص الإصابة بالزهايمر من المهم أن تمارس الرياضة بالذات المشي واليوجا، وتتغذى غذاءً صحيًا متوازنا، وتشرب ما لا يقل عن لترين من الماء يوميًا، ولا يضر قليل من الشوكلاتة الداكنة لزيادة تدفق الدم في الدماغ، فتنشط الذاكرة، ولنتذكر دائمًا أن ذاكرتنا هي تاريخنا وتجاربنا في الحياة.