عبدالحليم موسى

عبدالحليم موسى

في زمن تتصارع فيه الأصوات على العناوين، يكتب خالد المالك، يداعب قلمه رفيف الكلام ولطافة الأحرف، كما لو أنه يخاطب الذاكرة التاريخية؛ يكتب ليس من أجل الانتصار للذات، بل ليؤسس رؤية إعلامية، ولينحت في وعي القارئ كلمات على جدار ذاكرة الجماهير التي لا تُمحى، فهو ليس مجرد اسم في سجل الصحافة السعودية، بل هو محطة لفكرة الصحفي بوصفه مثقفاً، وقد صدق الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي حينما قال عن هؤلاء الذين «لا يعيشون على هامش الحدث، ولا يكتفون بنقله، بل يعيدون تشكيله داخل العقل الجماعي، ويحرسون المعنى من السقوط في الابتذال».

خالد المالك ليس مجرد رئيس تحرير؛ إنه ضمير صحفي يذكّرنا أن الكلمة قد تكون وطنا، وقد تتقاطع الحكمة مع البصيرة، وتتلاقى السياسة مع الفلسفة، حتى تكاد تشعر أن كل سطر يكتبه هذا الصحفي إنما هو محاولة لفهم العالم لا لتفسيره فقط.

ومنذ بواكير الطفولة سجل المالك انحيازه المبكر للكلمة، وبدأ كأنّه اختار طريقا أبعد من المهنة؛ طريقا يُشبه سؤالاً مركزياً في فلسفة الإعلام حول كيف الكتابة في زمن يُعاد فيه تشكيل الوعي الجمعي؟ كيف نكون إعلاميين في لحظة تتكسر فيها العلاقة بين الإنسان والحقيقة؟ تلك كانت معضلة الأستاذ خالد المالك، وهذا ما جعله يكتب في مقاله ذائع الصيت «بيني وبين الصحافة.. الخوف عليها»، مشخصاً أدواء الصحافة الورقية، ففي هذا المقال لم يكتب عن أزمة ورق أو منافسة منصة، بل عن اختلال بنيوي في وظيفة الصحافة ذاتها.

في هذا المقال لا يستعرض المالك مسيرة الصحافة السعودية، بل يُجري ما يشبه نقداً ذاتياً لمهنية الصحافة وكأنّه يقول: الصحافة ليست ما نكتبه، بل كيفية أن نسكن الكلمة، وكيف نصنع بها عالماً ينقل الأحداث بصدق والتزام بالمسؤولية الاجتماعية؛ وكأن المالك يرى أن الصحفي هو الذي يسهر لحماية الحقيقة من التشويه والتحريف، والمعنى من التبديد؛ لذلك لم يكن يخاف على الصحافة من خارجها، بل من داخلها، فالخطر في نظره ليس التقدّم التقني، بل انحدار الفكرة، وتراجع القارئ من شريك في التفكير والنقد البنّاء إلى مستهلك للتسلية والترفيه.

حين تناول رؤية 2030، حلّل التغيير كتحول حضاري، والذي يتطلب عقلا جمعيا جديدا. أما حينما يكتب عن والدته، فإن اللغة تنحني وتصبح طقسا إنسانيا تذوب فيه الألقاب والمناصب.

ويرى المالك أن الخطر الحقيقي يتمثل في فقدان الإعلام قدرته على التمييز بين الخطأ والصواب؛ ولذلك بقي وفيا لوظيفة الصحافة المسؤولة اجتماعياً، لا الترفيهية، ناقدا حتى لمنصبه، ومتوجساً من ضوء الشهرة إن لم يكن يخرج من جوف المعنى.

لم يكتب المالك ليستعرض، بل ليخاطب أجيالاً صحفية قادمة، وليكون حديثه عن الصحافة باعتبارها سلطة رابعة، وأحياناً بوصفها مسؤولية أخلاقية واجتماعية. وحين نتأمل سيرة خالد المالك، لا نقرؤها سرداً لتدرج مهني، بل رحلة في فلسفة الكلمة، وقلق السؤال، ومرارة أن ترى ما كنت تتبناه يتحول إلى سلعة، ومع ذلك، لم يتوقف عن الكتابة، وكأنّه يؤكد على الدوام أن المعنى وإن خفي على بعضنا لا يموت، وأنّ الصدق حتى حين لا يُسمع، يبقى ضروريا للاستمرارية كنبض الحياة.