بينما يغرق السودان في أتون حرب دموية أودت بحياة الآلاف وشرّدت نحو 14 مليون شخص، تبرز الإمارات لاعبا رئيسيا في إطالة أمد الصراع عبر دعمها المتواصل لقوات الدعم السريع. وهو دعم تحركه شبكة معقدة من المصالح الإستراتيجية تمتد من مناجم الذهب في دارفور إلى الموانئ على البحر الأحمر، مرورًا بمشاريع زراعية ضخمة.
وكشفت تحقيقات عن تدفق مئات الأطنان من الذهب السوداني إلى دبي، وإمدادات عسكرية متواصلة من طائرات مسيرة وأسلحة ثقيلة، على الرغم من إصرار أبوظبي على نفي أي تورط.
الذهب الملطخ
في أعماق صحراء دارفور، تتناثر جثث الضحايا وأعمدة الدخان لقرى محروقة، لكن إلى جانبها تدور معركة صامتة حول الذهب، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على أغنى مناجم الذهب في السودان، وخاصة منطقة جبل عامر، التي تدر مئات الملايين من الدولارات سنويًا.
يشق ذهب السودان طريقه عبر شبكة معقدة من المهربين والوسطاء ليصل في النهاية إلى أسواق دبي.
وكشفت بيانات البنك المركزي السوداني أن الإمارات استوردت نحو 90% من صادرات السودان الرسمية من الذهب في النصف الأول للعام الماضي.
كما كشفت تحقيقات منظمة «ذا سينتري» الأمريكية عن شبكة من الشركات العاملة من دبي مرتبطة بممولي قوات الدعم السريع، تحول الذهب السوداني المستخرج بطرق غير قانونية إلى نقد يُضخ مباشرة في آلة الحرب، فهذا الذهب يمثل شريان الحياة المالي لقوات الدعم السريع. فكل أونصة مهربة تعني رصاصا وطائرات مسيرة ودمارا في دارفور.
بوابة البحر
طمع أبوظبي يمتد كذلك إلى ما يطل عليه السودان من مياه إستراتيجية. أكثر من 700 كلم من السواحل غير المستغلة على البحر الأحمر تمثل جائزة كبرى في اللعبة الجيوسياسية الإقليمية.
في ديسمبر 2022، وقبل اندلاع الحرب بأشهر، وقعت السلطات السودانية اتفاقية بقيمة 6 مليارات دولار مع كونسورتيوم إماراتي لتطوير ميناء أبو عمامة ومنطقة اقتصادية ضخمة.
هذا المشروع يتضمن منطقة صناعية ومطارًا دوليًا ومساحة زراعية تبلغ 400 ألف فدان، كان جزءا من إستراتيجية إماراتية للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية بين الخليج وشرق إفريقيا وقناة السويس.
والسودان، بموقعه الإستراتيجي، يمثل حلقة محورية في سلسلة الموانئ الإماراتية التي تمتد من جيبوتي إلى الصومال وصولًا إلى ليبيا.
لكن المشروع واجه عقبات سياسية بعد الانقلاب، فقد رفض الجيش السوداني إعطاء الضمانات التي تطلبها الإمارات. وكان الرفض حسب محللين، أحد العوامل التي دفعت أبوظبي للانحياز بقوة لقوات الدعم السريع.
استغلال زراعي
تمثل الأراضي الزراعية الشاسعة في السودان بوليصة تأمين غذائية للإمارات. منذ عقود، استثمرت أبوظبي في 50 ألف هكتار من الأراضي الزراعية السودانية، مع خطط لتوسيع الاستثمار إلى 160 ألف هكتار إضافية تنتج محاصيل إستراتيجية كالقمح والأعلاف، توفر للإمارات أمنًا غذائيًا وهي التي تعاني ندرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة.
لكن الاتفاقيات الأصلية، التي كانت تمنح السودان 35% فقط من مداخيل الإنتاج، اعتُبرت مجحفة من قبل السلطات السودانية بعد الانقلاب. هذا الخلاف أضاف بعدًا آخر للتوتر بين أبوظبي والجيش السوداني، ودفع الإمارات للبحث عن شريك آخر.
الأمن الغذائي، رغم كونه مصلحة مشروعة لأي دولة، تحول في السياق السوداني إلى أداة ضغط سياسية وعامل إضافي في تعقيد الأزمة.
أسلحة الظل
فيما تنفي الإمارات علنًا أي تورط عسكري في السودان، ترسم التقارير الاستخباراتية الأمريكية والأوروبية صورة مختلفة تمامًا. منذ ربيع العام الماضي، رصدت تلك الأجهزة زيادة ملحوظة في تدفق الأسلحة من الإمارات إلى قوات الدعم السريع، بينها طائرات مسيرة متطورة، أسلحة خفيفة وثقيلة، مدفعية، قذائف هاون، مركبات عسكرية مدرعة، وكميات ضخمة من الذخيرة.
تأخذ هذه الأسلحة طريقا ملتويا ومعقدا لطمس المصدر الحقيقي. رحلات جوية من الإمارات تهبط في الصومال وليبيا، حيث يُعاد تحميل البضائع على طائرات أخرى أو شاحنات تعبر الحدود إلى السودان.
ووثقت منظمة العفو الدولية استخدام قوات الدعم السريع لقنابل صينية حديثة الصنع في شمال دارفور، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الدولي. وهذه القنابل وصلت عبر وسيط يملك علاقات تجارية قوية مع بكين، ولا يوجد مرشح أفضل من الإمارات لهذا الدور.
إستراتيجية النفوذ
ما تمارسه أبوظبي في السودان هو جزء من إستراتيجية إقليمية تُعرف بـ«التحكم من دون التورط». عوضًا عن نشر قوات عسكرية نظامية قد تجلب انتقادات دولية أو خسائر بشرية، يتم بناء النفوذ عبر وكلاء محليين ومرتزقة أجانب. وطبقت هذا في ليبيا واليمن والصومال، والآن في السودان.
الهدف الإستراتيجي الأكبر هو إنشاء طوق نفوذ يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، يمكّن الإمارات من التحكم بممرات الطاقة والتجارة الحيوية. والسودان، بموقعه وموارده، يمثل قطعة أساسية في هذه الأحجية الجيوسياسية. حتى لو لم تنتصر قوات الدعم السريع انتصارًا كاملًا، فإن سيطرتها على دارفور وحدها توفر للإمارات ورقة تفاوض قوية يمكن استخدامها للضغط من أجل تسوية سياسية تخدم المصالح الإماراتية.
هذا النهج البراغماتي يجعل من إطالة أمد الصراع، وليس حسمه، خيارًا إستراتيجيًا مقبولًا بالنسبة لأبوظبي. فالحرب المستمرة تبقي الجيش السوداني منهكًا، وتمنح قوات الدعم السريع الوقت لتعزيز سيطرتها، وتتيح للإمارات مزيدا من الوقت لتعميق شبكاتها الاقتصادية والعسكرية.
الثمن الإنساني
وسط المصالح الإماراتية، يغرق السودان في كارثة إنسانية غير مسبوقة. أكثر من 14 مليون شخص شُردوا، عشرات الآلاف قتلوا، مئات القرى أُحرقت بالكامل، والمجاعة تهدد الملايين. وثمة جرائم حرب وإبادة جماعية محتملة في دارفور، حيث استهدفت قوات الدعم السريع المدنيين بشكل منهجي.
الغضب الدولي من الدور الإماراتي يتصاعد تدريجيًا. وزير الخارجية الأمريكي أكد أن الإدارة الأمريكية تعرف الأطراف المتورطة في الصراع، في إشارة مبطنة للإمارات. منظمة هيومن رايتس ووتش حثت مجلس الأمن على فرض عقوبات على قيادة قوات الدعم السريع لانتهاكها حظر الأسلحة، ودعت ضمنيًا إلى محاسبة الداعمين الخارجيين.
تراهن أبوظبي على أن علاقاتها الاقتصادية القوية مع الغرب، ودورها كشريك في مكافحة الإرهاب، سيحميانها من عقوبات جدية. وحتى الآن، لم تواجه سوى انتقادات لفظية دون عواقب ملموسة.
وكشفت تحقيقات عن تدفق مئات الأطنان من الذهب السوداني إلى دبي، وإمدادات عسكرية متواصلة من طائرات مسيرة وأسلحة ثقيلة، على الرغم من إصرار أبوظبي على نفي أي تورط.
الذهب الملطخ
في أعماق صحراء دارفور، تتناثر جثث الضحايا وأعمدة الدخان لقرى محروقة، لكن إلى جانبها تدور معركة صامتة حول الذهب، حيث تسيطر قوات الدعم السريع على أغنى مناجم الذهب في السودان، وخاصة منطقة جبل عامر، التي تدر مئات الملايين من الدولارات سنويًا.
يشق ذهب السودان طريقه عبر شبكة معقدة من المهربين والوسطاء ليصل في النهاية إلى أسواق دبي.
وكشفت بيانات البنك المركزي السوداني أن الإمارات استوردت نحو 90% من صادرات السودان الرسمية من الذهب في النصف الأول للعام الماضي.
كما كشفت تحقيقات منظمة «ذا سينتري» الأمريكية عن شبكة من الشركات العاملة من دبي مرتبطة بممولي قوات الدعم السريع، تحول الذهب السوداني المستخرج بطرق غير قانونية إلى نقد يُضخ مباشرة في آلة الحرب، فهذا الذهب يمثل شريان الحياة المالي لقوات الدعم السريع. فكل أونصة مهربة تعني رصاصا وطائرات مسيرة ودمارا في دارفور.
بوابة البحر
طمع أبوظبي يمتد كذلك إلى ما يطل عليه السودان من مياه إستراتيجية. أكثر من 700 كلم من السواحل غير المستغلة على البحر الأحمر تمثل جائزة كبرى في اللعبة الجيوسياسية الإقليمية.
في ديسمبر 2022، وقبل اندلاع الحرب بأشهر، وقعت السلطات السودانية اتفاقية بقيمة 6 مليارات دولار مع كونسورتيوم إماراتي لتطوير ميناء أبو عمامة ومنطقة اقتصادية ضخمة.
هذا المشروع يتضمن منطقة صناعية ومطارًا دوليًا ومساحة زراعية تبلغ 400 ألف فدان، كان جزءا من إستراتيجية إماراتية للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية بين الخليج وشرق إفريقيا وقناة السويس.
والسودان، بموقعه الإستراتيجي، يمثل حلقة محورية في سلسلة الموانئ الإماراتية التي تمتد من جيبوتي إلى الصومال وصولًا إلى ليبيا.
لكن المشروع واجه عقبات سياسية بعد الانقلاب، فقد رفض الجيش السوداني إعطاء الضمانات التي تطلبها الإمارات. وكان الرفض حسب محللين، أحد العوامل التي دفعت أبوظبي للانحياز بقوة لقوات الدعم السريع.
استغلال زراعي
تمثل الأراضي الزراعية الشاسعة في السودان بوليصة تأمين غذائية للإمارات. منذ عقود، استثمرت أبوظبي في 50 ألف هكتار من الأراضي الزراعية السودانية، مع خطط لتوسيع الاستثمار إلى 160 ألف هكتار إضافية تنتج محاصيل إستراتيجية كالقمح والأعلاف، توفر للإمارات أمنًا غذائيًا وهي التي تعاني ندرة المياه والأراضي الصالحة للزراعة.
لكن الاتفاقيات الأصلية، التي كانت تمنح السودان 35% فقط من مداخيل الإنتاج، اعتُبرت مجحفة من قبل السلطات السودانية بعد الانقلاب. هذا الخلاف أضاف بعدًا آخر للتوتر بين أبوظبي والجيش السوداني، ودفع الإمارات للبحث عن شريك آخر.
الأمن الغذائي، رغم كونه مصلحة مشروعة لأي دولة، تحول في السياق السوداني إلى أداة ضغط سياسية وعامل إضافي في تعقيد الأزمة.
أسلحة الظل
فيما تنفي الإمارات علنًا أي تورط عسكري في السودان، ترسم التقارير الاستخباراتية الأمريكية والأوروبية صورة مختلفة تمامًا. منذ ربيع العام الماضي، رصدت تلك الأجهزة زيادة ملحوظة في تدفق الأسلحة من الإمارات إلى قوات الدعم السريع، بينها طائرات مسيرة متطورة، أسلحة خفيفة وثقيلة، مدفعية، قذائف هاون، مركبات عسكرية مدرعة، وكميات ضخمة من الذخيرة.
تأخذ هذه الأسلحة طريقا ملتويا ومعقدا لطمس المصدر الحقيقي. رحلات جوية من الإمارات تهبط في الصومال وليبيا، حيث يُعاد تحميل البضائع على طائرات أخرى أو شاحنات تعبر الحدود إلى السودان.
ووثقت منظمة العفو الدولية استخدام قوات الدعم السريع لقنابل صينية حديثة الصنع في شمال دارفور، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الدولي. وهذه القنابل وصلت عبر وسيط يملك علاقات تجارية قوية مع بكين، ولا يوجد مرشح أفضل من الإمارات لهذا الدور.
إستراتيجية النفوذ
ما تمارسه أبوظبي في السودان هو جزء من إستراتيجية إقليمية تُعرف بـ«التحكم من دون التورط». عوضًا عن نشر قوات عسكرية نظامية قد تجلب انتقادات دولية أو خسائر بشرية، يتم بناء النفوذ عبر وكلاء محليين ومرتزقة أجانب. وطبقت هذا في ليبيا واليمن والصومال، والآن في السودان.
الهدف الإستراتيجي الأكبر هو إنشاء طوق نفوذ يربط البحر المتوسط بالبحر الأحمر، يمكّن الإمارات من التحكم بممرات الطاقة والتجارة الحيوية. والسودان، بموقعه وموارده، يمثل قطعة أساسية في هذه الأحجية الجيوسياسية. حتى لو لم تنتصر قوات الدعم السريع انتصارًا كاملًا، فإن سيطرتها على دارفور وحدها توفر للإمارات ورقة تفاوض قوية يمكن استخدامها للضغط من أجل تسوية سياسية تخدم المصالح الإماراتية.
هذا النهج البراغماتي يجعل من إطالة أمد الصراع، وليس حسمه، خيارًا إستراتيجيًا مقبولًا بالنسبة لأبوظبي. فالحرب المستمرة تبقي الجيش السوداني منهكًا، وتمنح قوات الدعم السريع الوقت لتعزيز سيطرتها، وتتيح للإمارات مزيدا من الوقت لتعميق شبكاتها الاقتصادية والعسكرية.
الثمن الإنساني
وسط المصالح الإماراتية، يغرق السودان في كارثة إنسانية غير مسبوقة. أكثر من 14 مليون شخص شُردوا، عشرات الآلاف قتلوا، مئات القرى أُحرقت بالكامل، والمجاعة تهدد الملايين. وثمة جرائم حرب وإبادة جماعية محتملة في دارفور، حيث استهدفت قوات الدعم السريع المدنيين بشكل منهجي.
الغضب الدولي من الدور الإماراتي يتصاعد تدريجيًا. وزير الخارجية الأمريكي أكد أن الإدارة الأمريكية تعرف الأطراف المتورطة في الصراع، في إشارة مبطنة للإمارات. منظمة هيومن رايتس ووتش حثت مجلس الأمن على فرض عقوبات على قيادة قوات الدعم السريع لانتهاكها حظر الأسلحة، ودعت ضمنيًا إلى محاسبة الداعمين الخارجيين.
تراهن أبوظبي على أن علاقاتها الاقتصادية القوية مع الغرب، ودورها كشريك في مكافحة الإرهاب، سيحميانها من عقوبات جدية. وحتى الآن، لم تواجه سوى انتقادات لفظية دون عواقب ملموسة.