سلطان مشعل

الجغرافيا حين تستيقظ من سباتها في اللحظات ذات الاضطراب الكبير لا تعود الأزمات فيها مجرد أحداث عابرة، بل تتحول إلى مرايا كاشفة تعيد ترتيب أولويات العالم، وما شهدته الممرات الحيوية في باب المندب ومضيق هرمز والخليج مؤخرًا لم يكن مجرد توتر جيوسياسي، بل إنذار إستراتيجي أعاد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل فقد العالم أحد شرايينه التاريخية دون أن ينتبه؟.

ذلك الشريان هو الرابط العميق بين اليمن والشام عبر الجزيرة العربية؛ ليس بوصفه خطًا تجاريًا فقط، بل باعتباره منظومة حضارية متكاملة تجمع بين الاقتصاد والروح والمعنى، وللوقوف بشكل جلي على أهمية الفكرة أعلاه، فلنلج إليه من خلال الزوايا الآتية:

أولاً: «الإطار النظري»، وذلك بالمزج بين الجغرافيا والفلسفة الحضارية، تقوم هذه الرؤية على فرضية مركزية مفادها أن العالم وحده عضوية تتوزع فيها الأدوار بين ثلاثية عضوية تتمثل في «مركز وشرايين وأطراف» تتجسد في:

1- القلب: الجزيرة العربية

2- الشريانان الرئيسان: اليمن والشام

3- الأطراف: بقية قارات العالم.

وهذه ليست مجرد استعارة، بل نموذج تحليلي لفهم تدفق القوة «اقتصاديًا وثقافيًا وروحيًا» عبر التاريخ.

ثانيًا: «اليمن والشام» وحدة التكوين قبل وحدة الجغرافيا، اليمن والشام ليسا إقليمين منفصلين، بل جناحان لكيان واحد، يجمعهما تكوين رمزي كوني «الثريا وسهيل» قبل أن تجمعهما الطرق الأرضية!، في التصور النبوي أُختُزلت جهات الأرض إلى شامية ويمنية فقط في دلالة على مركزية هذين الامتدادين.. وهذا الطرح يفتح أفقًا جديدًا لفهم الجغرافيا لا بوصفها خطوطًا سياسية، بل شبكة دلالية كونية.

ثالثًا: «رحلتا الشتاء والصيف» كـنموذج أولي للعولمة، فقد قدم النص القرآني في سورة قريش نموذجًا مكثفًا لما يمكن تسميته حديثًا «العولمة المبكرة ذات الأساس الأخلاقي»، والتي تمثلت بـ«رحلتين ووجهتين»، الأولى: رحلة الشتاء نحو اليمن «الجنوب الدافئ - الموارد البحرية والتجارية»، والثانية: رحلة الصيف نحو الشام «الشمال - الأسواق المتوسطية والبرية»، وبهذا تحقق المنطقة مرتبة متقدمة، وهو ما يسمى حديثًا بـ«العالم الأول» المشار له في النص القرآني بـ«الإيلاف»، وهو هنا ليس مجرد تجارة، بل ثلاثية الـ«استقرار اقتصادي- شبكة تبادل مستدام- نظام أمان قائم على القيم»، واللافت أن هذا النظام مشروط بـ«فليعبدوا رب هذا البيت»؛ أي أن الاقتصاد لا يستقيم دون مرجعية قِيَمية، وهي فكرة تتجاوز زمنها إلى نظريات التنمية الحديثة.

رابعًا: «الأمن والغذاء» المعادلة المختصرة لنهوض الحضارات: «الإطعام من جوع، وهي قاعدة الاقتصاد المتمثلة بـ«الإنتاج والتوزيع»- الأمن من خوف، وهي القاعدة الأمنية المتمثلة بـ«الاستقرار والسيادة»، وهذه الثنائية تشكل ما يمكن اعتباره الحد الأدنى الحضاري لأي مشروع عالمي ناجح».

خامسًا: «الجغرافيا الوظيفية» اتصال العالم عبر اليمن والشام، فاليمن بوابة إلى كل من:

1- البحر العربي.

2- المحيط الهندي.

3- نقطة وصل مع جنوب وشرق آسيا.

4- نقطة وصل بأفريقيا عبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.

بينما الشام بوابة إلى كل من:

1- البحر المتوسط نقطة وصل بـ«أوروبا».

2- نقطة وصل بـ«آسيا الوسطى» برًا.

3- نقطة وصل بـ «أوراسيا» برًا.

النتيجة: شبكة اتصال عالمية تختزل القارات في مسارين: الأول جنوبي عبر اليمن، والثاني شمالي عبر الشام، وهو ما يعيد تعريف مفهوم «المركزية العالمية».

سادسًا: «من الرمز إلى الواقع» الإسقاطات المعاصرة، إن الأحداث الأخيرة في الممرات البحرية كشفت هشاشة النظام الحالي القائم على الاعتماد المفرط على المسارات البحرية، والذي يعبر عنه بـ«اختناق النقاط الحرجة» (Chokepoints)، ولكنه بالمقابل يبرز الحل التاريخي المتمثل بـ«إعادة إحياء المسار البري-البحري» المتكامل بين اليمن والجزيرة والشام، وذلك عبر: «طرق معبدة- سكك حديدية- ممرات لوجستية- شبكات طاقة- تكامل اقتصادي ثلاثي (اليمن، السعودية، الشام)».

سابعًا: «الجذور التاريخية»، والتي بها سُبق الحاضر بالتاريخ، فليس هذا الطرح جديدًا بالكامل؛ بل قد سبق إليه الملك اليمني «أسعد الكامل»، يوم أن قام بإنشاء طريق تجاري إستراتيجي يربط اليمن بالشام عبر الحجاز، ما يعني أن الفكرة ليست اختراعًا حديثًا، ولكنها استعادة مسارٍ أُهمل- لا أكثر!.

ثامنًا: «النظرية المتجددة» نظرية الشريان الحضاري، حيث يمكن صياغة ما سبق في إطار نظري جديد تحت عنوان: «نظرية الشريان الحضاري»، والتي تفترض أن ازدهار العالم يعتمد على ثلاثية التكوين:

أولاً: وجود مركز قِيَمي «الجزيرة العربية».

ثانيًا: شرايين اتصال فعالة «اليمن والشام».

ثالثًا: أطراف متلقية ومتفاعلة «بقية العالم».

وأن اختلال أي عنصر يؤدي إلى: «اختناق اقتصادي- اضطراب جيوسياسي- فقدان التوازن الحضاري».

أخيرًا: يمكن القول إنه بإعادة كتابة الخريطة من الجنوب إلى الشمال ما بين سهيل والثريا، وما بين رحلتي الشتاء والصيف يتشكل وعي جديد يعيد قراءة التاريخ لا كـ«حكاية ماضية»، بل كـ«دليل إستراتيجي» للمستقبل، وإن إعادة ربط اليمن بالشام عبر الجزيرة العربية ليس مشروعًا إقليميًاـ فحسب، بل إعادة تشغيل شريان حضاري يمكنه أن يعيد التوازن للعالم!.

وفي زمن تتكسر فيه المسارات التقليدية قد لا يكون السؤال: هل يمكن تنفيذ هذه الرؤية؟، بل هل يستطيع العالم الاستمرار دونها؟!.