لم يكد الرئيس الأمريكي يرفض المقترح الإيراني ما قبل الأخير حتى أعلن الوسيط الباكستاني أنه تلقى مقترحاً جديداً، وسيكون المقترح التالي جاهزاً فور رفض الأخير. هذا ما يسمّى لدى الخبراء «متاهة مفاوضات شكلية»، وتستخدمها طهران لتكسب الوقت، ولتشيع في عالم الدبلوماسية أنها وواشنطن لا تزالان في حال «تفاوض»، وبالتالي أقرب الى إنهاء الحرب منهما إلى استئنافها. لكن التفاوض بالرسائل، للالتفاف على شروط أمريكية لا تبدو قابلة للتعديل، يرسّخ الجمود، ويبقى بلا نتائج، ولا يبعد شبح الحرب.
أما لعبة كسب الوقت فليس واضحاً ما يمكن أن تحققه لإيران. صحيح أنها تضاعف الخسائر في أزمة الطاقة وأزمة الاقتصاد العالمي، إلا أن الدول المتضررة تحمّل المسؤولية في هذا المجال لطرفي الحرب. وإذا كانت غالبيتها تؤيد مبدئياً معاقبة إيران على مسلكها العدواني، خصوصاً تجاه الجوار الخليجي والمحيط العربي، فإن الطريقة التي أدارت الولايات المتحدة الحرب بها، اعتماداً على تخطيط إسرائيلي، حالت دون تشكيل تحالف دولي أو حتى إقليمي لإسنادها، إذ همّشت أمريكا أبرز حلفائها التقليديين. كما تركت أقرب أصدقائها في المنطقة يتلقون الضربات ويتكبّدون الخسائر، ومع ذلك تريد مطالبتهم بتحمّل كلفة الحرب كما لو أنها أشعلتها بطلبٍ منهم أو لأجلهم، ومن دون أن توضح كيف ستنهيها، وعلى أي أسس، فـ«اليوم التالي» مجهول، وآخر بيان لـ«الحرس الثوري» باسم مجتبى خامنئي يستعيد مقاربة الخليج العربي بلغة فوقية ومنفصلة عن الواقع.
رجّحت المداولات الأمريكية حول الخيارات المتاحة لكسر الجمود، ونقل أطنان من الذخائر إلى إسرائيل، احتمال العودة الى الحرب، لكن من دون تسميتها «حرباً» بل «عمليات عسكرية» بمشاركة إسرائيلية. يُعزى ذلك إلى أن إدارة ترمب تريد تنظيم تهربها من المساءلة في الكونجرس، فـ«الحرب» تتطلب تفويضاً إذا تجاوزت ستّين يوماً. أما «العمليات» فلا قيود عليها، ويمكن أن تستهدف مواقع لم تُضرب في مرحلة الـ40 يوماً، أو تتضمّن اغتيالات وإنزالات برّية، وتنفيذاً جزئياً للتهديدات السابقة بقصف جسور ومحطات طاقة ومنشآت نفطية.
وتأكيداً لهذا التوجّه، حرص ترمب على إبلاغ الكونجرس أن «الحرب انتهت»، وهو يعتبرها منتهية، لأنها في نظره حققت أهدافها العسكرية، ولو صحّ ذلك لما اهتمّ بالتفاوض للحصول على اتفاق سياسي. وفي حين تقول طهران إن أمريكا لن تحقق بالتفاوض ما لم تتمكّن من تحقيقه بالقوة العسكرية، فإنها تلتقي مصادر الإدارة الأمريكية تعتبر أن كل المقترحات الإيرانية لم تلبِّ «شروط» ترامب، ولذلك فهو يحجم عن إعلان إنهاء الحرب رسمياً.
قبل الحرب كان البرنامج النووي هو العقدة، وإذ طبّقت طهران إستراتيجية «إطالة الحرب» مع إغلاق مضيق هرمز، لإرباك واشنطن دولياً، فقد أضيف الحصار البحري للموانئ الإيرانية، ليصبح المضيق عقدة أخرى. كانت طهران اشترطت إنهاء الحرب لدخول المفاوضات، فحصلت على وقف لإطلاق النار، لكن جولة التفاوض في إسلام آباد فشلت، ومع تمديد وقف النار فُرض الحصار الأمريكي للموانئ، فأضعف «الورقة القوية» (هرمز) في يد طهران، لكنه فاقم أزمة الطاقة وتداعياتها العالمية. واشترطت طهران أيضاً «ضمانات» بعدم معاودة الحرب عليها، ودفع تعويضات عن خسائرها، ملوّحة بفرض رسوم على مرور السفن عبر مضيق هرمز (إذا تعذّر التعويض عن الخسائر، وهو متعذّر)، لكنها لم توافق على الشروط الأمريكية الثلاثة: وقف تخصيب اليورانيوم عشرين سنة، والتعهّد بعدم السعي إلى اقتناء سلاح نووي، وتسليم كمية اليورانيوم العالي التخصيب.
في المقترحات الأخيرة حاولت إيران إجراء مقايضة على قاعدة «إنهاء الحرب مع ضمانات»: فتحٌ كاملٌ للمضيق مقابل رفع الحصار على الموانئ، والتفاوض لاحقاً (بعد إنهاء الحرب) على قيود البرنامج النووي مقابل رفع كامل للعقوبات. وكان واضحاً للجانب الأمريكي أن أولوية إيران حالياً هي لرفع الحصار، لأنه فرض عليها للمرّة الأولى «صفر صادرات نفطية» للأسبوع الثالث على التوالي، وإذا استجابت واشنطن للمقايضة، ووافقت على تأجيل بتّ الملف النووي، فإن طهران ستستأنف تصدير النفط، لكنها ستتصلّب حيال الشروط النووية. لذا قررت واشنطن إبقاء الحصار وتشديده، حتى أن ترامب وصفه بأنه «أكثر فاعلية» من الضربات العسكرية.
شكّل هذا الحصار مَخرجَاً آنياً لترامب. كما بدت المقترحات المتوالية شبه مَخرَج لإيران، ولكن المأزق مستمر على الجانبين، فما هو متوقّع من التفاوض لا يمكّن أي طرف من تأكيد «نصره». أما العودة إلى «العمليات العدائية» فتُزيد الضغط على القيادة طهران، لكن أي أهداف يمكن ضربها لتكون موجعة وحاسمة.
في تلك الأثناء، يُظهر ترامب ثقةً لا تخفي انفعاله، لأن الأمور لا تسير بالسرعة التي يتوخّاها، لذا استعاد مطالبة إيران بـ«الاستسلام الآن» أو تهديدها بـ«سندمرها أو نبرم اتفاقا معها». أما إسرائيل - نتنياهو فتواصل جرائمها في لبنان، وتستعد لمرحلة دموية جديدة في قطاع غزّة.
* ينشر بالتزامن مع موقع«النهار العربي»
أما لعبة كسب الوقت فليس واضحاً ما يمكن أن تحققه لإيران. صحيح أنها تضاعف الخسائر في أزمة الطاقة وأزمة الاقتصاد العالمي، إلا أن الدول المتضررة تحمّل المسؤولية في هذا المجال لطرفي الحرب. وإذا كانت غالبيتها تؤيد مبدئياً معاقبة إيران على مسلكها العدواني، خصوصاً تجاه الجوار الخليجي والمحيط العربي، فإن الطريقة التي أدارت الولايات المتحدة الحرب بها، اعتماداً على تخطيط إسرائيلي، حالت دون تشكيل تحالف دولي أو حتى إقليمي لإسنادها، إذ همّشت أمريكا أبرز حلفائها التقليديين. كما تركت أقرب أصدقائها في المنطقة يتلقون الضربات ويتكبّدون الخسائر، ومع ذلك تريد مطالبتهم بتحمّل كلفة الحرب كما لو أنها أشعلتها بطلبٍ منهم أو لأجلهم، ومن دون أن توضح كيف ستنهيها، وعلى أي أسس، فـ«اليوم التالي» مجهول، وآخر بيان لـ«الحرس الثوري» باسم مجتبى خامنئي يستعيد مقاربة الخليج العربي بلغة فوقية ومنفصلة عن الواقع.
رجّحت المداولات الأمريكية حول الخيارات المتاحة لكسر الجمود، ونقل أطنان من الذخائر إلى إسرائيل، احتمال العودة الى الحرب، لكن من دون تسميتها «حرباً» بل «عمليات عسكرية» بمشاركة إسرائيلية. يُعزى ذلك إلى أن إدارة ترمب تريد تنظيم تهربها من المساءلة في الكونجرس، فـ«الحرب» تتطلب تفويضاً إذا تجاوزت ستّين يوماً. أما «العمليات» فلا قيود عليها، ويمكن أن تستهدف مواقع لم تُضرب في مرحلة الـ40 يوماً، أو تتضمّن اغتيالات وإنزالات برّية، وتنفيذاً جزئياً للتهديدات السابقة بقصف جسور ومحطات طاقة ومنشآت نفطية.
وتأكيداً لهذا التوجّه، حرص ترمب على إبلاغ الكونجرس أن «الحرب انتهت»، وهو يعتبرها منتهية، لأنها في نظره حققت أهدافها العسكرية، ولو صحّ ذلك لما اهتمّ بالتفاوض للحصول على اتفاق سياسي. وفي حين تقول طهران إن أمريكا لن تحقق بالتفاوض ما لم تتمكّن من تحقيقه بالقوة العسكرية، فإنها تلتقي مصادر الإدارة الأمريكية تعتبر أن كل المقترحات الإيرانية لم تلبِّ «شروط» ترامب، ولذلك فهو يحجم عن إعلان إنهاء الحرب رسمياً.
قبل الحرب كان البرنامج النووي هو العقدة، وإذ طبّقت طهران إستراتيجية «إطالة الحرب» مع إغلاق مضيق هرمز، لإرباك واشنطن دولياً، فقد أضيف الحصار البحري للموانئ الإيرانية، ليصبح المضيق عقدة أخرى. كانت طهران اشترطت إنهاء الحرب لدخول المفاوضات، فحصلت على وقف لإطلاق النار، لكن جولة التفاوض في إسلام آباد فشلت، ومع تمديد وقف النار فُرض الحصار الأمريكي للموانئ، فأضعف «الورقة القوية» (هرمز) في يد طهران، لكنه فاقم أزمة الطاقة وتداعياتها العالمية. واشترطت طهران أيضاً «ضمانات» بعدم معاودة الحرب عليها، ودفع تعويضات عن خسائرها، ملوّحة بفرض رسوم على مرور السفن عبر مضيق هرمز (إذا تعذّر التعويض عن الخسائر، وهو متعذّر)، لكنها لم توافق على الشروط الأمريكية الثلاثة: وقف تخصيب اليورانيوم عشرين سنة، والتعهّد بعدم السعي إلى اقتناء سلاح نووي، وتسليم كمية اليورانيوم العالي التخصيب.
في المقترحات الأخيرة حاولت إيران إجراء مقايضة على قاعدة «إنهاء الحرب مع ضمانات»: فتحٌ كاملٌ للمضيق مقابل رفع الحصار على الموانئ، والتفاوض لاحقاً (بعد إنهاء الحرب) على قيود البرنامج النووي مقابل رفع كامل للعقوبات. وكان واضحاً للجانب الأمريكي أن أولوية إيران حالياً هي لرفع الحصار، لأنه فرض عليها للمرّة الأولى «صفر صادرات نفطية» للأسبوع الثالث على التوالي، وإذا استجابت واشنطن للمقايضة، ووافقت على تأجيل بتّ الملف النووي، فإن طهران ستستأنف تصدير النفط، لكنها ستتصلّب حيال الشروط النووية. لذا قررت واشنطن إبقاء الحصار وتشديده، حتى أن ترامب وصفه بأنه «أكثر فاعلية» من الضربات العسكرية.
شكّل هذا الحصار مَخرجَاً آنياً لترامب. كما بدت المقترحات المتوالية شبه مَخرَج لإيران، ولكن المأزق مستمر على الجانبين، فما هو متوقّع من التفاوض لا يمكّن أي طرف من تأكيد «نصره». أما العودة إلى «العمليات العدائية» فتُزيد الضغط على القيادة طهران، لكن أي أهداف يمكن ضربها لتكون موجعة وحاسمة.
في تلك الأثناء، يُظهر ترامب ثقةً لا تخفي انفعاله، لأن الأمور لا تسير بالسرعة التي يتوخّاها، لذا استعاد مطالبة إيران بـ«الاستسلام الآن» أو تهديدها بـ«سندمرها أو نبرم اتفاقا معها». أما إسرائيل - نتنياهو فتواصل جرائمها في لبنان، وتستعد لمرحلة دموية جديدة في قطاع غزّة.
* ينشر بالتزامن مع موقع«النهار العربي»