في ظل المسار المتسارع الذي تنتهجه المملكة العربية السعودية نحو بناء نموذج وطني حديث يقوم على ترسيخ مفهوم المواطنة الشاملة، وتعزيز الولاء للوطن ومؤسساته، تبرز من حين لآخر بعض السلوكيات التي تعيد إنتاج أنماط فكرية تقليدية، وعلى رأسها الخطابات ذات الطابع القبلي أو الدعوات القائمة على التعصب، خصوصا في الفضاءات الرقمية التي أصبحت أكثر تأثيرا واتساعا.
ورغم أن هذه الممارسات قد تقدم أحيانا في صورة تعبيرات فردية أو محتوى عابر، إلا أنها في جوهرها تمثل مؤشرا سلبيا لا يمكن تجاهله، كونها تتعارض مع الأسس التي قام عليها الكيان الوطني، وتتنافى مع المبادئ الإسلامية التي أرست قواعد المساواة والعدل، ورفضت كل أشكال العصبية والانحياز الضيق، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة»، بما يحمله من دلالة صريحة على نبذ كل ما يؤدي إلى التفرقة وإثارة الانقسام بين الناس.
وقد جاء التنظيم الدستوري في المملكة ليعزز هذا الاتجاه، حيث أسس النظام الأساسي للحكم لمبادئ واضحة تعلي من قيمة الوحدة الوطنية، وتؤكد أن المجتمع يقوم على التماسك والتكافل ونبذ التفرق، مع تحميل الدولة مسؤولية حماية هذا النسيج الاجتماعي من أي عوامل قد تؤدي إلى تفكيكه أو إضعافه.
وفي الإطار النظامي الجزائي، اتجهت التشريعات السعودية إلى مواكبة التحولات التقنية الحديثة، حيث عالج نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الأفعال التي تتخذ من الوسائل الإلكترونية وسيلة للإساءة أو الإضرار بالآخرين، وهو ما يشمل الخطابات التي تروج للكراهية أو تغذي العصبيات أو تسيء إلى النسيج الاجتماعي، باعتبارها ممارسات تمس الأمن المجتمعي بشكل مباشر.
كما أكدت الجهات العدلية المختصة في نشراتها وفي مقدمتها النيابة العامة، أن كل ما من شأنه إثارة النعرات القبلية أو التحريض على الكراهية بين فئات المجتمع يُعد سلوكا مجرما تترتب عليه المسؤولية الجزائية، نظرا لما يمثله من تهديد للسلم الاجتماعي وإخلال بالنظام العام، خاصة في ظل اتساع نطاق التأثير الرقمي وسرعة انتشار المحتوى.
ومع ذلك، فإن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تُفهم على أنها استهداف للهوية أو للانتماءات الاجتماعية الطبيعية، إذ يظل الانتماء القبلي أو الأسري جزءا من النسيج الثقافي للمجتمع، ما دام في إطاره الإيجابي الذي لا يتجاوز حدود الاعتزاز المشروع إلى حدود الإقصاء أو التمييز أو الانتقاص من الآخرين. فالمشكلة لا تكمن في أصل الانتماء، وإنما في تحويله إلى أداة تفاضل أو وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام.
وحين ينزلق هذا الانتماء إلى خطاب استعلائي، فإنه يتحول من قيمة اجتماعية إلى عامل تفكيك، يعيد استحضار الماضي بصورة صراعية داخل الحاضر، وهو ما يتعارض مع مفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، ووحدة الحقوق والواجبات دون تمييز.
وتتضاعف خطورة هذه الممارسات عندما تجد لها مساحة في منصات التواصل الاجتماعي المنفلتة، التي أصبحت بيئة خصبة لإعادة تداول خطابات التعصب في صور مختلفة، قد تقدم أحيانا بأسلوب ساخر أو غير مباشر، لكنها في حقيقتها تحمل مضامين إقصائية تؤثر في الوعي الجمعي وتضعف منسوب التماسك الاجتماعي.
ومن هنا، فإن المواجهة الفاعلة لهذه الظاهرة لا تقتصر على الجانب النظامي وحده، بل تمتد لتشمل بناء وعي مجتمعي راسخ، يقوم على خطاب إعلامي مسؤول، ومحتوى ثقافي متوازن، ومنظومة تعليمية تعزز قيم الاحترام والتعايش وقبول الآخر. فاستقرار المجتمع ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو نتاج تكامل بين الدولة والمجتمع. كما أن هذا النهج ينسجم مع الاتجاهات الدولية التي تجرم خطاب الكراهية وتدعو إلى حماية المجتمعات من كل أشكال التمييز والتحريض، بما يعكس التقاء الجهود الوطنية مع المبادئ الإنسانية العامة، دون الإخلال بالخصوصية الثقافية.
وفي ضوء ما تبذله الجهات المختصة من إجراءات حازمة تجاه هذه التجاوزات، يتضح أن التعامل معها لا يُنظر إليه كحالات فردية معزولة، بل كقضايا تمس جوهر الوحدة الوطنية، التي تعد ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية واستمرار مسارات التحول الوطني.
وفي الختام، فإن صيانة الوحدة الوطنية ليست خيارا عارضا، بل التزام ديني ونظامي وأخلاقي يقتضي وعيا مجتمعيا دائما، وحزما قانونيا لا يتهاون مع كل خطاب يهدد التماسك الاجتماعي أو يعيد إنتاج العصبيات بصور حديثة. فالدول الحديثة لا تبنى على الانقسامات الضيقة، وإنما على سيادة القانون، وعدالة المؤسسات، ووحدة الهوية الوطنية الجامعة. ولتحقيق تعزيز الجانب التنفيذي في مواجهة هذه الظاهرة، فإن الحاجة تبدو ملحة إلى تفعيل أدوات الردع بصورة أكثر كفاءة ووضوحا، من خلال تطوير آليات الرصد الرقمي للمحتوى المحرض على الكراهية أو التعصب، وتسريع إجراءات الضبط والاستدلال والإحالة القضائية، بما يحقق سرعة المساءلة ويعزز أثر الردع العام، كما يجب إعادة النظر في فعاليات التوعية والجوانب القانونية الضعيفة وغيرها من قبل هيئة تنظيم الإعلام، والتي أشرت لها في أكثر من منشط ثقافي ووصلت لمعالي وزير الإعلام ونائبه. وكذلك يمكن أن يسهم الإعلان النظامي الواضح عن العقوبات والأحكام القضائية – ضمن الضوابط النظامية – في رفع مستوى الوعي بخطورة هذه الأفعال، وترسيخ القناعة بأن إثارة النعرات القبلية ليست مجرد «آراء عابرة»، بل سلوكيات مجرمة تمس الأمن المجتمعي والوحدة الوطنية.
ومن المقترحات التنفيذية لتحقيق مهمة الردع العام والخاص، إيجاد برامج تأهيل وتوعية للمخالفين في القضايا ذات الطابع الفكري أو المجتمعي، بحيث لا يقتصر الأمر على العقوبة التقليدية فقط، بل يمتد إلى معالجة جذور المشكلة فكريا وثقافيا، بما يحد من تكرارها مستقبلا.
تعزيز التكامل بين الجهات العدلية والإعلامية والتعليمية ومنصات التواصل الاجتماعي سيسهم في بناء بيئة رقمية أكثر مسؤولية، تحد من انتشار المحتوى التحريضي، وتدعم خطاب الاعتدال والانتماء الوطني. فالكلمة اليوم لم تعد أثرا عابرا، بل أصبحت فعلا مؤثرا قد يبني وعيا أو يهدم مجتمعا، ومن هنا فإن الحزم في مواجهة خطابات التعصب لم يعد ترفا تنظيميا، بل ضرورة وطنية لحماية المجتمع، وصيانة مكتسباته، وضمان استمرار مسيرته التنموية بثبات ووحدة وتماسك. والله الموفق.
ورغم أن هذه الممارسات قد تقدم أحيانا في صورة تعبيرات فردية أو محتوى عابر، إلا أنها في جوهرها تمثل مؤشرا سلبيا لا يمكن تجاهله، كونها تتعارض مع الأسس التي قام عليها الكيان الوطني، وتتنافى مع المبادئ الإسلامية التي أرست قواعد المساواة والعدل، ورفضت كل أشكال العصبية والانحياز الضيق، مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة»، بما يحمله من دلالة صريحة على نبذ كل ما يؤدي إلى التفرقة وإثارة الانقسام بين الناس.
وقد جاء التنظيم الدستوري في المملكة ليعزز هذا الاتجاه، حيث أسس النظام الأساسي للحكم لمبادئ واضحة تعلي من قيمة الوحدة الوطنية، وتؤكد أن المجتمع يقوم على التماسك والتكافل ونبذ التفرق، مع تحميل الدولة مسؤولية حماية هذا النسيج الاجتماعي من أي عوامل قد تؤدي إلى تفكيكه أو إضعافه.
وفي الإطار النظامي الجزائي، اتجهت التشريعات السعودية إلى مواكبة التحولات التقنية الحديثة، حيث عالج نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية الأفعال التي تتخذ من الوسائل الإلكترونية وسيلة للإساءة أو الإضرار بالآخرين، وهو ما يشمل الخطابات التي تروج للكراهية أو تغذي العصبيات أو تسيء إلى النسيج الاجتماعي، باعتبارها ممارسات تمس الأمن المجتمعي بشكل مباشر.
كما أكدت الجهات العدلية المختصة في نشراتها وفي مقدمتها النيابة العامة، أن كل ما من شأنه إثارة النعرات القبلية أو التحريض على الكراهية بين فئات المجتمع يُعد سلوكا مجرما تترتب عليه المسؤولية الجزائية، نظرا لما يمثله من تهديد للسلم الاجتماعي وإخلال بالنظام العام، خاصة في ظل اتساع نطاق التأثير الرقمي وسرعة انتشار المحتوى.
ومع ذلك، فإن معالجة هذه الظاهرة لا ينبغي أن تُفهم على أنها استهداف للهوية أو للانتماءات الاجتماعية الطبيعية، إذ يظل الانتماء القبلي أو الأسري جزءا من النسيج الثقافي للمجتمع، ما دام في إطاره الإيجابي الذي لا يتجاوز حدود الاعتزاز المشروع إلى حدود الإقصاء أو التمييز أو الانتقاص من الآخرين. فالمشكلة لا تكمن في أصل الانتماء، وإنما في تحويله إلى أداة تفاضل أو وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام.
وحين ينزلق هذا الانتماء إلى خطاب استعلائي، فإنه يتحول من قيمة اجتماعية إلى عامل تفكيك، يعيد استحضار الماضي بصورة صراعية داخل الحاضر، وهو ما يتعارض مع مفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على المساواة أمام القانون، وتكافؤ الفرص، ووحدة الحقوق والواجبات دون تمييز.
وتتضاعف خطورة هذه الممارسات عندما تجد لها مساحة في منصات التواصل الاجتماعي المنفلتة، التي أصبحت بيئة خصبة لإعادة تداول خطابات التعصب في صور مختلفة، قد تقدم أحيانا بأسلوب ساخر أو غير مباشر، لكنها في حقيقتها تحمل مضامين إقصائية تؤثر في الوعي الجمعي وتضعف منسوب التماسك الاجتماعي.
ومن هنا، فإن المواجهة الفاعلة لهذه الظاهرة لا تقتصر على الجانب النظامي وحده، بل تمتد لتشمل بناء وعي مجتمعي راسخ، يقوم على خطاب إعلامي مسؤول، ومحتوى ثقافي متوازن، ومنظومة تعليمية تعزز قيم الاحترام والتعايش وقبول الآخر. فاستقرار المجتمع ليس مسؤولية جهة واحدة، بل هو نتاج تكامل بين الدولة والمجتمع. كما أن هذا النهج ينسجم مع الاتجاهات الدولية التي تجرم خطاب الكراهية وتدعو إلى حماية المجتمعات من كل أشكال التمييز والتحريض، بما يعكس التقاء الجهود الوطنية مع المبادئ الإنسانية العامة، دون الإخلال بالخصوصية الثقافية.
وفي ضوء ما تبذله الجهات المختصة من إجراءات حازمة تجاه هذه التجاوزات، يتضح أن التعامل معها لا يُنظر إليه كحالات فردية معزولة، بل كقضايا تمس جوهر الوحدة الوطنية، التي تعد ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية واستمرار مسارات التحول الوطني.
وفي الختام، فإن صيانة الوحدة الوطنية ليست خيارا عارضا، بل التزام ديني ونظامي وأخلاقي يقتضي وعيا مجتمعيا دائما، وحزما قانونيا لا يتهاون مع كل خطاب يهدد التماسك الاجتماعي أو يعيد إنتاج العصبيات بصور حديثة. فالدول الحديثة لا تبنى على الانقسامات الضيقة، وإنما على سيادة القانون، وعدالة المؤسسات، ووحدة الهوية الوطنية الجامعة. ولتحقيق تعزيز الجانب التنفيذي في مواجهة هذه الظاهرة، فإن الحاجة تبدو ملحة إلى تفعيل أدوات الردع بصورة أكثر كفاءة ووضوحا، من خلال تطوير آليات الرصد الرقمي للمحتوى المحرض على الكراهية أو التعصب، وتسريع إجراءات الضبط والاستدلال والإحالة القضائية، بما يحقق سرعة المساءلة ويعزز أثر الردع العام، كما يجب إعادة النظر في فعاليات التوعية والجوانب القانونية الضعيفة وغيرها من قبل هيئة تنظيم الإعلام، والتي أشرت لها في أكثر من منشط ثقافي ووصلت لمعالي وزير الإعلام ونائبه. وكذلك يمكن أن يسهم الإعلان النظامي الواضح عن العقوبات والأحكام القضائية – ضمن الضوابط النظامية – في رفع مستوى الوعي بخطورة هذه الأفعال، وترسيخ القناعة بأن إثارة النعرات القبلية ليست مجرد «آراء عابرة»، بل سلوكيات مجرمة تمس الأمن المجتمعي والوحدة الوطنية.
ومن المقترحات التنفيذية لتحقيق مهمة الردع العام والخاص، إيجاد برامج تأهيل وتوعية للمخالفين في القضايا ذات الطابع الفكري أو المجتمعي، بحيث لا يقتصر الأمر على العقوبة التقليدية فقط، بل يمتد إلى معالجة جذور المشكلة فكريا وثقافيا، بما يحد من تكرارها مستقبلا.
تعزيز التكامل بين الجهات العدلية والإعلامية والتعليمية ومنصات التواصل الاجتماعي سيسهم في بناء بيئة رقمية أكثر مسؤولية، تحد من انتشار المحتوى التحريضي، وتدعم خطاب الاعتدال والانتماء الوطني. فالكلمة اليوم لم تعد أثرا عابرا، بل أصبحت فعلا مؤثرا قد يبني وعيا أو يهدم مجتمعا، ومن هنا فإن الحزم في مواجهة خطابات التعصب لم يعد ترفا تنظيميا، بل ضرورة وطنية لحماية المجتمع، وصيانة مكتسباته، وضمان استمرار مسيرته التنموية بثبات ووحدة وتماسك. والله الموفق.