بقلم: د. ناصر أحمد بن حبتور

ثمةَ لحظاتٌ في عمر الشعوب تكون فيها فرصة التأسيس الصحيح أثمن من الانتظار، وأغلى من التسرّع. ونحن اليوم في الجنوب اليمني نقف أمام واحدة من تلك اللحظات التي لا تطرق الأبواب مرتين؛ لحظة الإعداد لمجالس التنسيق التمهيدية واستحقاقات مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي. وما قيمة هذه اللحظة إن لم نحسن قراءتها، ونُجيد بناءها، ونتوافق على صون مخرجاتها؟ إن السياسة الحقيقية هي تلك التي «تُأنسن» الإجراءات، وتحوّل الشعارات الكبرى إلى مشاريع ملموسة تضمن للمواطن أمنه، لقمة عيشه، وحقه في الشراكة وصناعة القرار دون إقصاء أو تهميش. ومن هذا المنطلق الواعي والمسؤول، تبرز اليوم ضرورة استحقاقات مؤتمر الحوار الجنوبي، وتتجلى أهمية «مجالس التنسيق» في المحافظات الجنوبية كأداة تنفيذية وتطبيقية لا غنى عنها لترتيب البيت الداخلي، إذ إنه لا يمكن لبناء الاستقرار أن يتحقق بآلات جامدة، أو بنصوص سياسية معزولة عن نبض الشارع وحاجات الإنسان.

لا يسعني هنا إلا أن أُقدّم خالص التقدير لمحافظة حضرموت التي أطلقت، برؤية ناضجة ووعي مؤسسي متقدّم، أولى خطوات التهيؤ لهذا الاستحقاق الجنوبي المصيري؛ إذ بقيادة محافظ المحافظة باشر رجالات المحافظة بتشكيل لجنة تحضيرية تجمع تحت سقفٍ واحد جميع المكوّنات السياسية ومنظمات المجتمع المدني وممثلي الأطياف الاجتماعية المتنوعة بإشراف مباشر من محافظ المحافظة. هذا النموذج ليس مجرد خطوة إجرائية أو حراك إداري ترفي، بل هو رسالة سياسية واضحة وجلية وتجسيد حي لوعي جمعي أدرك أن الاستقرار والتنمية لا يمكن أن يُصنعا بعين واحدة، أو بقرار تستأثر به جهة بمفردها، فالجنوب اليوم يُريد حوارًا أصيلًا شاملًا، لا استعراضًا شكليًا.

قد يسأل البعض، لماذا مجالس التنسيق في هذا التوقيت بالذات؟ ولن تكون مبالغةً إن قلنا إن مجالس التنسيق ليست رفاهية تنظيمية، بل هي الشرط الموضوعي لأي حوار ذي معنى، وهي الضرورة الملحة قبل الرغبة. فالحوار الحقيقي يحتاج أرضية تحضيرية مؤسسية تضمن أن كل صوت في الجنوب يجد له مكانًا في المشاورات، وحضورًا فاعلًا في الصياغة، ومشاركةً حقيقية في القرار. إن الدواعي والمبررات وراء الحاجة لتكوين هذه المجالس تنبع من قراءة واقعية وعميقة لدروس الماضي والحاضر، فالمرحلة الحالية لا تحتمل إنتاج أزمات جديدة، ولا تسمح بإعادة تدوير أخطاء الماضي، والمطلوب اليوم ليس مجرد عقد لقاءات أو إصدار بيانات، بل بناء بيئة سياسية ومجتمعية قادرة على استيعاب الجميع، وإدارة الخلافات بطريقة حضارية، وصناعة توافقات واقعية تحفظ مصالح الناس وتراعي تطلعاتهم. إن مبرّرات الحاجة إلى هذه المجالس متعددة الأوجه، فهي من الناحية السياسية تُشكّل آليةً لتوحيد الرؤية الجنوبية وتجميع توافقاتها قبل الدخول في حوار مصيري تترتب عليه استحقاقات تاريخية. ومن الناحية المجتمعية، تُعيد الاعتبار للعمق الاجتماعي المتنوع في المحافظات الجنوبية، بحيث لا تُصادَر القضية من قِبل نخب سياسية بعينها بمعزل عن روافدها الشعبية الأصيلة. ومن الناحية القانونية والمؤسسية، تُسهم في رسم ملامح تمثيل حقيقي ومتوازن يُعزز شرعية مخرجات الحوار ويُصوّن نتائجه من الطعن والتشكيك.

ما أقدمت عليه حضرموت يستحق الوقوف والتأمل، فالمحافظة التي تحمل في باطنها ثقلًا جغرافيًا واقتصاديًا وتاريخيًا استثنائيًا، اختارت أن تكون رائدةً لا تابعة، ومبادِرةً لا منتظِرة. ذلك أن تشكيل لجنة تحضيرية بمشاركة واسعة تضم كل الأطراف يُجسّد في الواقع العملي ما ظللنا ندعو إليه من الشراكة الفعلية والتوافق الحقيقي. لكن قيمة النموذج الحضرمي لا تكمن في ذاتها فحسب، بل في قابليتها للتعميم والانتشار؛ فلكل محافظة جنوبية خصائصها وطبيعتها ومكوناتها، غير أن المبدأ واحد، وهو بناء اللجنة التحضيرية بتنسيق دقيق وشراكة واسعة، اذ لابد من تمثيل وإشراك كل شرائح المجتمع، لأن الجنوب ليس فئةً واحدة، ولا قطاعًا واحدًا، ولا صوتًا واحدًا. ومن هذا المنطلق، أدعو كل محافظة جنوبية لأن تنظر إلى ما أنجزته حضرموت بوصفه خارطة طريق عملية، لا نمطًا جامدًا للنسخ المتطابق، فالروح واحدة والتفاصيل قابلة للتكيّف مع خصوصية كل محافظة.

لا يجوز لنا بحال من الأحوال أن ننطلق في هذه المرحلة الدقيقة بعقلية «صفحة بيضاء» كأن التاريخ لم يُنتج دروسًا بالغة الثمن، فقد أثبتت التجارب المتراكمة أن أكبر مخاطر أي عملية تشاركية هي الإقصاء المُنظَّم الذي يرتدي ثياب الإدارة، والتهميش الصامت الذي يتخفى خلف لغة التمثيل، والهيمنة الأحادية التي تُفرّغ التوافق من مضمونه وتحوّل الحوار إلى تأييد مُبرمَج. إن المشهد الذي يخشاه كل حريص على مستقبل الجنوب، هو أن تُسيطر جهة بعينها على اللجان التحضيرية والتنسيقية في محافظة ما، فتُحكم قبضتها على المخرجات سلفًا، وتستبعد الأصوات الأخرى تحت مسميات إجرائية أو تقنية، فهذا السيناريو إن وقع، لن ينتج حوارًا، بل سيُنتج أزمةً جديدة فوق الأزمات القائمة، وحماية الحوار من هذا المصير ليست مهمة أحد بعينه، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب التوافق المسبق على معايير جوهرية قبل أي انطلاقة فعلية، وفي مقدمتها التمثيل النسبي العادل لكل المكونات السياسية والمجتمعية بما فيها المرأة والشباب والكفاءات المستقلة، وبشفافية تامة في الآليات بحيث تكون لوائح التشكيل وجداول الأعمال ومحاضر الاجتماعات متاحةً ومعلنة، لأن ما يُبنى في الضوء أمتن مما يُدبَّر في الظلام، فضلًا عن وجود مرجعية قانونية موحّدة تُحدد طريقة اتخاذ القرار وتمنع الاستئثار بالصياغة، مع صياغة آلية تظلم وإنصاف واضحة ومعلنة تتيح مراجعة التمثيل لكل من يرى أنه أُقصي أو هُمّش دون الحاجة للانسحاب أو التصعيد.

وفي هذا السياق الدقيق والحسّاس، يبرز دور المملكة العربية السعودية بوصفها الراعية الطبيعية والضامنة الإستراتيجية للحوار الجنوبي - الجنوبي، حيث تمتلك المملكة من الأهلية والثقة والحياد والقدرة ما يجعلها الصمام الأمن لمسار حوار نزيه وشامل يعزز فرص النجاح الفعلي. إن وجود المملكة مُشرفةً على هذا المسار يمنحه المصداقية الكاملة أمام جميع الأطراف، فلا طرف جنوبي يستطيع أن يتهم الراعي بالانحياز إذا كانت المملكة هي الضامن، ولا يمكن لجهة داخلية أن تحتجز مخرجات الحوار أو تؤخرها عندما تكون القيادة السعودية شاهدةً ومتابعةً بحكمتها الدبلوماسية المعهودة وثقلها الإقليمي، وهي التي تقف دائمًا على مسافة واحدة من الجميع وتضع مصلحة الإنسان واستقرار المنطقة فوق كل اعتبار. وإن ما نأمله من رعاة الحوار في المملكة هو الدفع نحو اعتماد آليات رقابة وضمان تكفل ألا تتحوّل أي لجنة تحضيرية في أي محافظة إلى أداة لفريق ضد آخر، وأن يُفعَّل مبدأ الشفافية لتأتي مجالس التنسيق معبّرةً فعلًا عن كل مكونات المحافظات الجنوبية، لا عن غالبية عددية أو تيار مهيمن، وهو ما يضمن تجنب الاختلالات ويغلق الأبواب أمام أي محاولات لفرض واقع غير توافقي.

إننا اليوم أمام فرصة تاريخية نادرة لإعادة بناء ثقافة الشراكة الوطنية والمجتمعية على أسس أكثر نضجًا وواقعية، وهذه الفرصة لن تكلل بالنجاح إلا إذا غلّبت جميع الأطراف منطق الحكمة على الانفعال، ومنطق الدولة على المصالح الضيقة، ومنطق الشراكة على الإقصاء؛ فالأوطان في نهاية المطاف لا تُبنى بالغلبة بل بالتوافق، ولا تُحمى بالاستحواذ بل بالعدالة، ولا تستقر بالشعارات بل بالمؤسسات التي يشعر الجميع أنهم شركاء في مغنمها ومسؤولون عن مغرمها. إننا في مجلس شبوة الوطني العام، نرى في التجربة الحضرمية الحالية بوصلة أمان لتعميمها على بقية المحافظات بروح الشراكة الحقيقية وتحت المظلة الراعية للأشقاء في المملكة، ليكون هذا الحراك سبيلًا راسخًا لبناء نموذج حكم محلي رشيد، يحقق الاستقرار، ويربط العمل السياسي باحتياجات المواطن اليومية، وينعكس خيرًا وأمنًا وتنمية مستدامة على حياة الإنسان في كل شبر من أرضنا.