خالد العضاض

مفهوم «التخيل المشترك»، أو ما يسمى سوسيولوجيًا «الجماعات المتخيلة»، هو أحد المفاهيم التي صاغها «بينديكت أندرسون»، في علم الاجتماع السياسي. وكلمة «تخيل» هنا لا تعني «الوهم» أو «الخيال غير الواقعي»، بل تعني أن المواطن في دولة ما لن يقابل معظم شركائه في الوطن من المواطنين، ولن يعرفهم شخصيا، ولن يسمع عنهم، ومع ذلك، توجد في عقل كل مواطن صورة ذهنية تجمعه بهم. فأنت، كابن للرياض أو جدة، حينما تسمع عن إنجاز لمواطن في جازان أو تبوك، تشعر بالفخر وتعده «منك»، رغم أنك لا تعرفه، وهذا الرابط الذهني هو ما يطلق عليه «التخيل المشترك»، ومن هذه الإشارة يمكن فهم كيفية التحول من «العيش معًا» إلى «التخيل المشترك»، فالعيش معًا: هو مجرد وجود جماعات في مكان واحد تشترك في المصالح اليومية (سوق واحد، أمن واحد... إلخ)، أما التخيل المشترك: فهو أن تتحول العلاقة إلى رابطة وجدانية، تشعر معها أن تاريخ ابن «الأحساء» هو تاريخك، وأن أمل ابن «الحدود الشمالية» هو أملك، إنها «نحن» الكبيرة التي تذوب فيها «الأنا» الفردية أو المناطقية.

والهوية الوطنية لا تترسخ بمجرد الكلام والشعارات، بل تترسخ عبر مجموعة من الأدوات تجعل هذا «التخيل» حيا وملموسا، ومن أهم هذه الأدوات، التعليم: فحينما يقرأ جميع الطلاب في كل مناطق المملكة التاريخ ذاته والقصص الوطنية ذاتها، تتحد «ذاكرتهم»، وكذلك تعتبر الرموز الوطنية «مكثفات» تجعل ملايين الناس يشعرون بنفس النشوة الوطنية الإيجابية في اللحظة ذاتها، وكذلك المناسبات: مثل «يوم التأسيس» أو «اليوم الوطني»؛ هي لحظات يتخيل فيها الجميع أنهم يقفون في صف واحد خلف حكاية واحدة.

التخيل كان في مرحلة «السيولة»، محصورا في القبيلة أو القرية (نتخيل فقط من تربطنا بهم صلة دم أو مجاورة)، أما في مرحلة «التشكل»، فقد نجحت الدولة السعودية في توسيع دائرة التخيل لتشمل الخريطة الكبرى، فأصبح السعودي يرى نفسه جزءا من «سردية كبرى» بدأت من التأسيس وصولا إلى الرؤية المستقبلية، فالتخيل المشترك هو «الرابطة الوثيقة» غير المرئية التي تجعل ملايين الغرباء يشعرون أنهم عائلة واحدة، ولهم مصير واحد، وقصة واحدة يحكونها للعالم، وهذا «التخيل المشترك» يزداد قوة من خلال المشاريع المستقبلية، مقارنة بالاعتماد على التاريخ وحده.

وعلى صعيد آخر، فإن «الوطنية السلوكية» لدى الأجيال الجديدة ينبغي أن تصبح ممارسة يومية لا مجرد شعار، فتحويل الوطنية من «عاطفة في القلب» أو «شعار على اللسان» إلى «سلوك في الميدان» هو التحدي الكبير، فالوطنية السلوكية هي التي تحمي المكتسبات وتصنع الحضارات، ولتعزيز هذا المفهوم، نحتاج إلى إستراتيجيات تتجاوز التلقين التقليدي إلى «الممارسة والقدوة»، وذلك عبر مسارات منها: أولا: ربط المصلحة الخاصة بالمصلحة العامة: فلن يمارس النشء الوطنية كفعل يومي إلا إذا أدرك أن الحفاظ على النظام العام يعود بالنفع المباشر على جودة حياته الشخصية، وهذا يتم حينما نحول قصص النجاح الوطنية إلى مكاسب ملموسة؛ لتوصل رسالة مؤداها: «حينما يزدهر وطني، تتوفر لي وظيفة أفضل، وبيئة أكثر أمانا، ومكانة دولية أفتخر بها». وثانيا: غرس «ثقافة المُلْكية»: فالوطنية السلوكية تبدأ حينما يشعر النشء أن الحديقة العامة مثلا هي «حديقته»، وأن سمعة بلده في الخارج هي «سمعته الشخصية»، وهذا يمكن تفعيله في ذهنية الجيل ووجدانه من خلال برامج التطوع المجتمعي الممنهجة، مما يولد لديهم شعورا بأنهم «شركاء» في البناء وليسوا مجرد «متلقين» للخدمات. ثالثا: تحويل الرموز إلى «أخلاقيات عمل» من خلال ربطها بقيم مثل الإتقان، والنزاهة، والمسؤولية، وهنا تصبح الوطنية «معيارا للجودة» في السلوك الفردي. رابعا: أنسنة التاريخ والقدوة: من خلال إبراز نماذج من المواطنين العاديين الذين قدموا سلوكيات وطنية ملهمة (المخترع، المسعف، المواطن الذي حافظ على البيئة)، فرؤية «قدوة حية» تمارس الوطنية في حياتها اليومية أشد تأثيرا من مئات الخطب. خامسا: المواطنة الرقمية الواعية، حيث إن الأجيال الجديدة تقضي جل وقتها في الفضاء الرقمي، والوطنية السلوكية يجب أن تمتد لتشمل «الأخلاق الرقمية»، من خلال الدفاع عن الوطن بالحقائق، ونبذ الشائعات، وتقديم صورة مشرفة عن الشخصية السعودية، فالسلوك الرقمي الرزين هو «خط دفاع» وطني لا يقل أهمية عن غيره. سادسا: تفعيل مبادئ العدالة والشفافية والتنافسية الشريفة في بيئة الفرص المتاحة، فلا يمكن مطالبة النشء بوطنية سلوكية إذا كان يرى تناقضا في هذا الصدد، فحينما يرى الشاب أن «النظام» يُطبق على الجميع وأن «الكفاءة» هي معيار الصعود، سيتولد لديه ولاء سلوكي تلقائي للنظام والقانون.

ومن هذه المنطلقات التي ذكرناها، يتضح جليا أن الوطنية السلوكية، وعي مستمر ودائم بالمسؤولية، واحترام جاد للنظام، وبناء مؤسساتي وتنمية مستدامة، فالوطنية السلوكية هي «عقد اجتماعي» غير مكتوب، يتحول فيه الحب الفطري للوطن إلى «بوصلة أخلاقية» تحرك الفرد في كل تصرفاته؛ من رمي النفايات في سلتها، إلى الإبداع في أدق تفاصيل عمله الوظيفي.

ومن هنا، ينبغي أن تركز المناهج التعليمية بصورة أعمق على «الجانب السلوكي» للوطنية، وعلى تعزيز «التخيل المشترك»، وألا تبقى أسيرة للجانب التاريخي وحده، «فالتخيل المشترك» المطلوب يزداد قوة من خلال المشاريع المستقبلية المشتركة مقارنة بالاعتماد على التاريخ وحده، وهذا هو جوهر الفلسفة الوطنية المعاصرة؛ فنحن اليوم نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة رسم «تخيلنا» الجمعي عما يمكن أن نكون عليه (مستقبلا)، نعم، التاريخ هو «الجذور» التي تمنحنا الشرعية والاستقرار، غير أن المشاريع المستقبلية هي «الساق والأغصان» التي تمنحنا الارتفاع والقدرة على مواجهة الرياح، والتاريخ يجمعنا على «الذكرى» الغالية، غير أن الارتكان على التاريخ وحده قد يجعل الهوية الوطنية «متحفية»؛ نعتز بها لكننا لا نتحرك بها، فالتاريخ يقول لنا: «انظروا من أين جئنا»، وهو أمر حيوي لتعزيز الثقة، أما المستقبل فيجمعنا على «المصير»، والمشاريع الكبرى تخلق نوعا من التخيل المشترك هو أشد قوة ومتانة؛ لأنها تعتمد على «الكدح الجماعي»، حينما يشعر المواطن في الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط أن نجاح مشروع «نيوم» أو «المربع الجديد» سيغير واقع جودة حياته وحياة أبنائه، فإنه يتخيل نفسه شريكا في «قصة نجاح» قيد الكتابة، لا مجرد وارث لقصة كُتبت سابقا.

المشاريع المستقبلية تحول الهوية من «حالة وجدانية» (نحن نحب الوطن) إلى «حالة حركية» (نحن نبني الوطن)، هذا الانتقال من هوية الذاكرة إلى هوية الطموح هو الذي يجعل التخيل المشترك عابرا للأجيال والمناطق، لأنه يرتكز على «الأمل» وهو وقود أقوى من «الذكرى».

المشكلة ليست في «الجانب التاريخي» بحد ذاته، بل في تقديمه كقصة صماء، والمنهج التعليمي الناجح هو الذي يربط التاريخ بالسلوك؛ أي يطرح سؤالا: «بما أن أجدادنا ضحوا من أجل توحيد هذه الأرض، فما هو واجبي السلوكي اليوم للحفاظ على ثمار هذه التضحية؟».

أخيرا، فإن المستقبل القريب، كما تجسده رؤية السعودية 2030، هو ما يمنح الهوية الوطنية ديناميكيتها وحيويتها؛ ولذلك ينبغي أن تتحول المناهج التعليمية من مجرد «راوية للقصص» إلى «صانعة للشخصية»، ومن «استحضار الذاكرة» إلى «بناء السلوك»، ومن «حفظ التاريخ» إلى «المشاركة الواعية في صناعة المستقبل».