كان ابن القرية قديما لا ينشأ في كنف أبويه وحدهما، بل يتربى في حضن قرية كاملة، تتقاسم مسؤولية تنشئته، وتغرس في نفسه القيم والمبادئ والأخلاق قبل أن يعرف القراءة والكتابة. كانت القرية مجتمعا متماسكا يقوم على التعاون والتكافل والمحبة، حتى ليشعر كل فرد فيها أنه جزء من أسرة كبيرة تجمعها الألفة وتربطها وشائج القربى والجوار.
كانت الأم تُربي أبناءها على احترام جميع رجال القرية ونسائها، فتقول لهم: هذا أبوك فلان، وهذه أمك فلانة، وتغرس في نفوسهم أن للكبار حق التقدير والإجلال. فإذا أراد الطفل أن يميز أباه الذي من صلبه قال: «أبوي»، وإذا أراد غيره من رجال القرية قال: «أبوي فلان»، وكذلك الشأن مع النساء، فيقول: «أمي فلانة». ولم تكن تلك مجرد ألفاظ تُقال، بل كانت ثقافة مجتمعية عميقة تعكس حجم الترابط بين أبناء القرية.
فهذه التربية تربية صحيحة ومتجذرة في ثقافتنا العربية والإسلامية، ولا تتعارض مع الشرع، بل نجد ما يؤيد معناها في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ۖ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133].
ففي هذه الآية الكريمة عُدَّ إسماعيل عليه السلام من آباء يعقوب عليه السلام مع أنه عمه وليس أباه المباشر، مما يدل على أن لفظ الأب في العربية قد يتسع ليشمل العم من باب التكريم والانتساب العائلي. ومن هذا المنطلق فإن ما كان سائدا في القرى من مناداة كبار السن بـ«أبوي فلان» و«أمي فلانة» لم يكن خلطا للأنساب ولا تغييرا للحقائق، وإنما كان أسلوبا تربويا راقيا يرسخ الاحترام ويعزز التلاحم الاجتماعي ويغرس في نفوس الأبناء أن المجتمع أسرة واحدة يشد بعضُها أزر بعض.
وكانت أبواب البيوت مشرعة من شروق الشمس إلى غروبها، لا تُغلق في وجه طفل، ولا يُستغرب دخول صغير أو خروجه من أي منزل. يتنقل الأطفال بين البيوت كما يتنقلون بين غرف بيت واحد، يأكلون هنا، ويلعبون هناك، ويحظون بالرعاية والاهتمام من الجميع. فإذا أخطأ أحدهم وجد من يوجهه ويؤدبه من رجال أو نساء القرية، وإذا احتاج إلى شيء وجد من يعينه دون تردد من أولئك الآباء والأمهات.
ولم يكن الأبوان يشعران بالقلق على أبنائهما كما هو الحال اليوم؛ فكل رجال القرية آباء، وكل نسائها أمهات، وكل عين ساهرة على سلامة الأطفال ورعايتهم. وكانت هذه التربية الجماعية تصنع جيلا يحترم الكبير، ويوقر الجار، ويشعر بالمسؤولية تجاه مجتمعه.
ومن أجمل ما تميزت به تلك البيئة أن الطفل كان يتعلم عمليا معاني التعاون والإيثار والكرم والصدق. يرى الرجال مجتمعين في أعمال الزراعة والبناء والحصاد، ويرى النساء متعاونات في المناسبات والأفراح والأتراح، فتترسخ هذه القيم في وجدانه دون حاجة إلى دروس أو محاضرات.
لقد كانت القرية مدرسة مفتوحة، وسورها الأخلاق، ومناهجها القدوة الحسنة، ومعلموها جميع رجال ونساء القرية الذين حملوا همَّ تربية الأجيال. ومن رحم تلك القرى خرج رجال ونساء حملوا قيم الوفاء والشهامة والصدق، وظلت ذكرياتهم شاهدة على زمن جميل كانت فيه المحبة نظاما اجتماعيا، والتكافل أسلوب حياة، وكان الطفل بحق «ابن القرية» قبل أن يكون ابن أسرته وحدها.
رحم الله ذلك الزمن الجميل، وأدام في مجتمعنا ما بقي من تلك القيم الأصيلة التي صنعت أجيالا ما زالت آثار تربيتها المباركة حاضرة في النفوس إلى اليوم.
كانت الأم تُربي أبناءها على احترام جميع رجال القرية ونسائها، فتقول لهم: هذا أبوك فلان، وهذه أمك فلانة، وتغرس في نفوسهم أن للكبار حق التقدير والإجلال. فإذا أراد الطفل أن يميز أباه الذي من صلبه قال: «أبوي»، وإذا أراد غيره من رجال القرية قال: «أبوي فلان»، وكذلك الشأن مع النساء، فيقول: «أمي فلانة». ولم تكن تلك مجرد ألفاظ تُقال، بل كانت ثقافة مجتمعية عميقة تعكس حجم الترابط بين أبناء القرية.
فهذه التربية تربية صحيحة ومتجذرة في ثقافتنا العربية والإسلامية، ولا تتعارض مع الشرع، بل نجد ما يؤيد معناها في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ۖ قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133].
ففي هذه الآية الكريمة عُدَّ إسماعيل عليه السلام من آباء يعقوب عليه السلام مع أنه عمه وليس أباه المباشر، مما يدل على أن لفظ الأب في العربية قد يتسع ليشمل العم من باب التكريم والانتساب العائلي. ومن هذا المنطلق فإن ما كان سائدا في القرى من مناداة كبار السن بـ«أبوي فلان» و«أمي فلانة» لم يكن خلطا للأنساب ولا تغييرا للحقائق، وإنما كان أسلوبا تربويا راقيا يرسخ الاحترام ويعزز التلاحم الاجتماعي ويغرس في نفوس الأبناء أن المجتمع أسرة واحدة يشد بعضُها أزر بعض.
وكانت أبواب البيوت مشرعة من شروق الشمس إلى غروبها، لا تُغلق في وجه طفل، ولا يُستغرب دخول صغير أو خروجه من أي منزل. يتنقل الأطفال بين البيوت كما يتنقلون بين غرف بيت واحد، يأكلون هنا، ويلعبون هناك، ويحظون بالرعاية والاهتمام من الجميع. فإذا أخطأ أحدهم وجد من يوجهه ويؤدبه من رجال أو نساء القرية، وإذا احتاج إلى شيء وجد من يعينه دون تردد من أولئك الآباء والأمهات.
ولم يكن الأبوان يشعران بالقلق على أبنائهما كما هو الحال اليوم؛ فكل رجال القرية آباء، وكل نسائها أمهات، وكل عين ساهرة على سلامة الأطفال ورعايتهم. وكانت هذه التربية الجماعية تصنع جيلا يحترم الكبير، ويوقر الجار، ويشعر بالمسؤولية تجاه مجتمعه.
ومن أجمل ما تميزت به تلك البيئة أن الطفل كان يتعلم عمليا معاني التعاون والإيثار والكرم والصدق. يرى الرجال مجتمعين في أعمال الزراعة والبناء والحصاد، ويرى النساء متعاونات في المناسبات والأفراح والأتراح، فتترسخ هذه القيم في وجدانه دون حاجة إلى دروس أو محاضرات.
لقد كانت القرية مدرسة مفتوحة، وسورها الأخلاق، ومناهجها القدوة الحسنة، ومعلموها جميع رجال ونساء القرية الذين حملوا همَّ تربية الأجيال. ومن رحم تلك القرى خرج رجال ونساء حملوا قيم الوفاء والشهامة والصدق، وظلت ذكرياتهم شاهدة على زمن جميل كانت فيه المحبة نظاما اجتماعيا، والتكافل أسلوب حياة، وكان الطفل بحق «ابن القرية» قبل أن يكون ابن أسرته وحدها.
رحم الله ذلك الزمن الجميل، وأدام في مجتمعنا ما بقي من تلك القيم الأصيلة التي صنعت أجيالا ما زالت آثار تربيتها المباركة حاضرة في النفوس إلى اليوم.