محمد عبدالله المارم

في حياتنا اليومية نرى كثيرا من الأشخاص الذين يمرون بيننا بصمت يقدمون الخير، ويتركون أثرا طيبا لكنهم لا يجدون ما يستحقونه من التقدير أو الاهتمام. وربما يعيش أحدهم سنوات طويلة وهو ينتظر كلمة شكر أو اعترافا بفضله فلا يسمع شيئا. وما إن يرحل عن الدنيا حتى تتسابق الكلمات والعبارات في مدحه والثناء عليه.

هذه المفارقة المؤلمة يمكن أن نطلق عليها «خدمات ما بعد الموت»، وهي حالة اجتماعية تتكرر كثيرا حين يصبح الموت سببا لاكتشاف محاسن الإنسان التي كانت غائبة أو متجاهلة في حياته.

كم من شخص عاش مهملا بين الناس، لا يسأل عنه أحد، ثم تحول بعد وفاته إلى حديث المجالس ومادة للخطب والمراثي. وكم من إنسان كان ينتظر كلمة تقدير من المقربين إليه، فلم يحصل عليها إلا بعد أن أصبح تحت التراب.

المشكلة ليست في ذكر محاسن الموتى، فذلك خلق نبيل وإنما في تأخير مشاعر التقدير والاحترام إلى ما بعد الرحيل. فالكلمة الطيبة تكون أجمل حين يسمعها صاحبها، والشكر يكون أصدق حين يصل إلى من يستحقه وهو على قيد الحياة.

وقد عبّرت إحدى العبارات الساخرة عن هذه الظاهرة بقولها: «مات جاري أمس من الجوع وفي عزائه ذبحوا كل الخراف». وهي عبارة تختزل حجم التناقض بين الإهمال في الحياة والكرم العاطفي المتأخر بعد الموت.

إن كثيرا من الناس يجيدون رثاء الراحلين لكنهم لا يجيدون التعبير عن مشاعرهم للأحياء. فيؤجلون كلمات الحب والشكر والاعتذار حتى يصبح الوقت متأخرا، وحينها لا تعود تلك الكلمات قادرة على تغيير شيء.

لذلك فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه لمن حولنا هو أن نعبر لهم عن تقديرنا اليوم، وأن نشكر أصحاب الفضل وهم بيننا، وأن نمنحهم من الاهتمام ما يستحقونه قبل أن يصبحوا مجرد ذكرى.

فوردة واحدة تُهدى لإنسان حي خير من باقات كثيرة توضع على قبره. وكلمة صادقة في وقتها أثمن من عشرات كلمات الرثاء بعد فوات الأوان.

وفي النهاية يبقى الإنسان بحاجة إلى التقدير في حياته أكثر من حاجته إليه بعد رحيله. فكلنا راحلون لكن الأثر الجميل الذي نتركه في قلوب بعضنا البعض هو ما يبقى.