نايف بن محمد المطيري

حين أقرّ مجلس الوزراء مؤخرًا لائحة حماية المبلّغين والشهود والخبراء والضحايا في قضايا الفساد، جاء ذلك امتدادًا لمسار وطني متصاعد في تعزيز النزاهة والحوكمة الرشيدة وحماية المقدرات العامة، بما يواكب التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة في مختلف المجالات.

وفي خضم هذه التحولات يبرز مفهوم "الفساد الصفري" لا بوصفه مجتمعًا مثاليًا منزّهًا عن الخطأ، بل بكونه توجهًا إستراتيجيًا طويل المدى يُبرز النزاهة ضمن السمات الأصيلة في هوية المجتمع، والتي تنعكس بشكل طبيعي على القرارات والتعاملات والممارسات اليومية.

فالأنظمة ترسم الحدود، لكن الوعي والثقافة هما ما يحولان احترام هذه الحدود إلى سلوك تلقائي لا يحتاج إلى رقابة دائمة. وفي المجتمع السعودي لا تعدّ النزاهة قيمة طارئة أو مستوردة، بل امتداد طبيعي لقيم دينية وثقافية ووطنية راسخة قامت على العدل وصون النزاهة وحفظ الحقوق وتحمل المسؤولية. لذلك فإن التحولات الراهنة لا تعيد تعريف هذه القيم، بل تعمّق حضورها وتجعلها أكثر اتساقًا مع متطلبات المراحل المقبلة.

أما الخطر الحقيقي فإنه لا يبدأ دائمًا من المخالفات الكبرى، بل غالبًا ما ينشأ من التفاصيل الصغيرة التي يُتهاون بها تدريجيًا حتى تصبح مألوفة وقابلة للتبرير. تجاوز يُغضّ عنه الطرف مرة، ثم يتحول مع الوقت إلى ممارسة اعتيادية لا يراها البعض إشكالية. وهنا تكمن خطورة التعايش مع سلوكيات تبدو هامشية، لكنها تؤثر تراكميًا على العدالة والثقة وجودة الحياة.

ومن أبرز صور هذه الممارسات ما يُعرف بـ"القبائل الوظيفية"، حين تتحول بعض العلاقات الشخصية أو المصالح الضيقة إلى عامل مؤثر في الفرص أو التعيينات أو الترقيات أو توزيع المسؤوليات، على حساب معايير الكفاءة والجدارة. وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يغذي نفسه ويتوسع تدريجيًا، وتتشابك المصالح حتى يصعب تفكيكها. ولا تظهر آثاره غالبًا في سجلات واضحة أو مؤشرات ظاهرة، بل يتسلل بهدوء تحت غطاء الصلاحيات، ليعيد تشكيل الثقافة المؤسسية شيئًا فشيئًا، ويؤثر في العدالة والثقة وكفاءة الأداء.

وينتج عن مثل هذه الممارسات تراجع الحافز لدى الكفاءات المتميزة حين تشعر أن معايير الجدارة لم تعد واضحة. فاستمرار بعض التجاوزات دون معالجة، أو تغليب العلاقات على الكفاءة، قد يولّد إحباطًا أو تعايشًا سلبيًا مع الواقع، مما ينعكس سلبًا على بيئة العمل والثقافة المؤسسية عمومًا.

ولهذا فإن الأنظمة وحدها لا تكفي ما لم تُصاحب بجهود مستمرة لبناء نماذج قدوة وترسيخ سرديات تربط النزاهة بالكفاءة والمسؤولية والثقة. فالمجتمعات تتأثر بما تراه متكررًا في مؤسساتها وبيئات عملها وإعلامها، بقدر تأثرها بالأنظمة والتشريعات. وهنا تبرز أهمية برامج التحفيز، وتقدير النماذج المتميزة، وبناء المحتوى الهادف الذي يعزز الوعي بالنزاهة.

تمتلك المملكة اليوم مقومات قوية لتعميق هذا التوجه، في ظل التقدم الملموس في الحوكمة والتحول الرقمي ورفع كفاءة الخدمات وتعزيز الشفافية. وهذه التحولات لا تقتصر على الجانب الإداري، بل تمتد لتعزيز الثقة وكفاءة الأداء وتحقيق عوائد أعلى في مختلف القطاعات.

لذلك فإن ما بعد 2030 لن يكون الواقع مجرد امتداد تقليدي لما قبله، بل مرحلة تتعمق فيها المكاسب الوطنية وتتسع آثارها، بما في ذلك ترسيخ النزاهة كسمة أصيلة في هوية المجتمع السعودي، تنعكس على السلوكيات والتوجهات والبيئات المؤسسية وصناعة القرارات. فالنزاهة لا تحافظ على الموارد المالية فحسب، بل تمتد آثارها إلى الثقة العامة والعدالة وتكافؤ الفرص وكفاءة الخدمات وجودة الحياة وتسارع التنمية. والمجتمعات التي تنجح في ترسيخ النزاهة بشكل عملي ومستدام تبني بيئات أكثر استقرارًا وقدرة على تحقيق تطلعاتها بثقة واستدامة.

إن الطريق نحو الفساد الصفري لا يبدأ من الأنظمة فحسب، بل من تعزيز النزاهة وجعلها قيمة حية وفاعلة في الوعي والسلوك والممارسة اليومية، حتى تتجلى بصورة أكثر عمقًا واتساقًا كسمة أصيلة في هوية المجتمع وتطلعاته المستقبلية.