محمد الخميسي

يؤمن الرواقيون بالعَود الأبدي، وأن العالم سينتهي يومًا باحتراق كليّ، ثم يُعاد خلقه بالأشخاص أنفسهم والأحداث نفسها. وهذا يتقاطع مع الاكتشاف الفيزيائي الحديث الذي ذكره لورانس كراوس في كتابه «كون من لا شيء»، حيث توصل فيه علماء الفيزياء إلى أن العالم سينتهي ويتلاشى يومًا ما بعملية عكسية للانفجار العظيم. إن إبداع الرواقيين في الفلك لا يقل أهميةً عن إبداعهم في الطب؛ فقد ذكر جالينوس، في نصٍّ ينقله لنا أميل برهييه في موسوعته تاريخ الفلسفة (ج2، ص46): «إن زينون وكريسبوس وبقية الرواقيين كتبوا مطولًا في الأمراض، وأن مدرسةً طبيةً كاملة، هي المدرسة المنهجية، كانت تنسب نفسها إلى زينون».

ويقرر الرواقيون بأن العالم ليس أزليًا، مخالفين بذلك المشائين. ويقولون: إن الجنس البشري ليس سحيق القدم، بدليل أننا نرى صنائع وفنونًا لا غنى للإنسان عنها ما زالت في بداية عهدها، فلو كان العالم أزليًا لكان الإنسان قديمًا معه، وإذا كان الإنسان قديمًا لما رأينا تلك الفنون والصنائع الضرورية حديثة العهد.

ويتبنى الرواقيون الفلسفة الأسمية التي ظهرت فيما بعد في العالم الإسلامي عند ابن تيمية، وعند المتكلمين مثل فخر الدين الرازي.

إن الرواقيين متمسكون جدًا بالدين، ونجد أن نزعتهم الدينية عقلية لا قلبية، فقد كان إبكتيتوس يعارض علم التنجيم بشدة، ولا يدخر جهدًا في نقده وتحطيمه؛ لأنه يرى أن الاهتمام بمعرفة المستقبل فيه نوعٌ من عدم الاعتماد على الله والتوكل عليه.

إن حبهم للدين، وإيمانهم بالله، واعتقادهم بوحدة الوجود، كل ذلك جعلهم يرفضون الفكرة السائدة في عصرهم بأن العرق اليوناني أشرف من غيره؛ تلك الفكرة التي أقرها أفلاطون وأرسطو، ورفضها الرواقيون، وقالوا إن البشر سواسية كأسنان المشط، أيًّا كانت أعراقهم وألوانهم وألسنتهم.

إن إيمانهم الشديد بالله، وإدراكهم العميق للطبيعة، جعلهـم يرحبون بالموت بطمأنينة، ويرون أن العاقل لا يبتئس ولا يجزع من الموت؛ لأنه جزءٌ أساسيٌّ من الطبيعة، فهو انتقالٌ إلى مكانٍ آخر. فعليك أن تتقبل الموت باطمئنانٍ وسعادة.