مجاهد عبدالمتعالي

«السياسة هي فن الممكن» تنبيه قبل أن تسترسل في القراءة: فالعبارة ناقصة، فن الممكن بين ماذا؟ وهل هو ممكن واحد أم ممكنات متعددة، ولن أغوص عميقاً في الفلسفة السياسية، «فأتوهم أني قلت ما أريده، بينما أنا قلت ما أستطيعه»، وهذه متاهة يضيع فيها كثير من أصحاب القلم بأنواعهم حتى الفلسفي منها، ولهذا النقد مهم.

أعود للسياسة كفن للممكن، ممكن بين ماذا؟ فن الممكن بين القوة والحق؟ أم بين القوة والأخلاق؟ وليلاحظ القارئ معي أن القوة هي الثابت في الممكنات السياسية، بينما الحق والأخلاق متغيرات، وعليه فحق الهنود الحمر في حكم أمريكا الآن لا يقول به عاقل، بينما حق الأكراد لا يزال قابلاً للتفاوض وفق فن الممكن بين القوة والأخلاق... إذن السياسة هي فن الممكن بين القوة والأخلاق، والحق هو نتيجة هذا التفاوض بينهما، فإذا تحقق هذا الممكن بين القوة والأخلاق، قام عليه الحق الذي تصنع به شرعية الدول والأنظمة... الخ.

بعد هذه المقدمة هل يمكن مناقشة موقع أمريكا التفاوضي مع أوروبا وروسيا والصين والهند.... الخ مما أفسده ترمب أكثر مما أصلحه، ويبقى بعد كل هذا أن من سخرية القدر أن يستقر ميدان التفاوض السياسي بين القوة والأخلاق على أرض إيران هدماً وتدميراً ومعها كل أرض قررت أن تكون جزءاً من ميدان التفاوض السياسي الدولي بين القوة والأخلاق.

يأتي هنا سؤال عن معنى القوة؟ هل هي في البارجات والصواريخ؟ أم في طائرات مسيرة كأنها دبابير يعجز عنها حتى الأسد؟ يزعم بعض من قرأت لهم أن أمريكا صعدت شجرة الحرب ولم تستطع النزول، وهذا تشبيه معقول، لكنه لا يحقق واقع التفاوض (العالمي) فليست أمريكا ضد إيران وحدها في هذه الحرب، كما أن روسيا ليست ضد أوكرانيا وحدها في هذه الحرب، هناك تفاعلات دولية/ميكانيزمات سياسية داخل فضاءات التفاوض في فن الممكنات بين القوى الدولية ومعها معايير الأخلاق المختلفة، وليلاحظ القارئ أن فن الممكن ليس بين قوة وأخلاق، بل بين قوى مختلفة في العالم بل وحتى قوى داخل أمريكا نفسها، وبين نوعين من الأخلاق الإنسانية، فثلث سكان العالم في الصين والهند يعنيهم حقوق الإنسان في حدها الأدنى لهرم ماسلو الكلاسيكي بطبقاته الخمس (الطبقة الأولى حاجات فيسيولوجية: جسدية، غذاء، ماء... الطبقة الثانية حاجات الأمان: من استقرار وظيفي، سكن، وظيفة، الطبقة الثالثة حاجات اجتماعية: الحب من أسرة وصداقة وشعور بالانتماء، والطبقة الرابعة حاجات التقدير: من الاحترام، المكانة، الإنجاز، الثقة بالنفس، وأخيراً أعلى الهرم في الطبقة الخامسة: تحقيق الذات: تنمية القدرات الكامنة والإبداع، وبلوغ أقصى الإمكانات)، وبالنسبة للثلث الثاني من سكان العالم فسيراوح بحاجاته ما بين الطبقة الثانية والثالثة من هرم ماسلو، ويبقى الثلث الأخير يراوح بعضه ما بين الطبقة الرابعة والقليل جداً من العالم يصل إلى الطبقة الخامسة.

وهنا نرتطم بمعنى الأخلاق الذي حسمه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بعناوينه الفرعية في «الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية» حيث اختلفت الدول في الأولوية بين مدرستين في القيم: (الاشتراكية) وترى أهم الحقوق في ما يلي: الحق في العمل، الحق في السكن، الحق في التعليم، الحق في الرعاية الصحية، الحق في الضمان الاجتماعي، الحق في مستوى معيشي كريم، ويقود هذا التوجه حالياً الصين، بينما أهم الحقوق في الرأسمالية: حرية التعبير، حرية الاعتقاد، حرية الصحافة، حرية التملك، حرية التعاقد والعمل، الحق في المحاكمة العادلة، الحق في المشاركة السياسية والانتخاب. ويتزعم هذا التوجه أمريكا، والجدل بينهما في الأولوية لا ينتهي بين ليبرالي واشتراكي، وتحتهما تندرج ظلال تشير إلى أن (كارل ماركس خاض معارك كثيرة، ولكن مالتوس انتصر) حتى الآن.

يعني باختصار يمكن قراءة التفاوض الدولي للوصول إلى تسوية عالمية جديدة على أنقاض ما بعد سقوط جدار برلين 1989 كموجة غربية متجهة شرقاً، ثم انقلاب الموجة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، متجهة من الشرق للغرب ليتموضع العالم من جديد وفق تداعيات قطع رقعة الشطرنج الدولية وصولاً إلى هزيمة المشروع الأمريكي في أفغانستان وعودتها إلى الفضاء الإقليمي المحيط بها ومن ضمنه الصين وروسيا، ولهذا لا يمكن النظر لإيران من دون مراعاة القوى الإقليمية المجاورة وعلى رأسها روسيا والصين، فكما أن العقلاء ينظرون لحزب الله في لبنان ليروا ما يمكن أن يحل بالحوثي في اليمن، فكذلك ينظرون لأوكرانيا ليعرفوا ما يحل بإيران. ويبقى (الزين غالي لكن الأزين أغلى... ولكل شراي بضاعة وسوقي) حتى في صراع السياسة وفن الممكنات.